الجواز لم يكن شرع بالمدينة، وأنَّ الذي شرع بالمدينة هو لبس الخف المقطوع، ثم شرع بعرفات لبس الخف من غير قطع. فإن قيل: فحديث ابن عمر مقيد: وحديث ابن عباس مطلق، والحكم والسبب واحد، وفي مثل هذا يتعين حمل المطلق على المقيد، وقد أمر في حديث ابن عمر بالقطع.
فالجواب من وجهين: أحدهما: أنَّ قوله في حديث ابن عمر: "وليقطعهما" قد قيل: إنَّه مدرج من كلام نافع. قال صاحب المغني: كذلك روي في أمالي أبي القاسم بن بشران بإسناد صحيح: أنَّ نافعاً قال بعد روايته للحديث: "وليقطع الخفين أسفل من الكعبين"، والإدراج فيه محتمل، لأنَّ الجملة الثانية يستقل الكلام الأول بدونها، فالإدراج فيه ممكن، فإذا جاء مصرحاً به أنَّ نافعاً قاله زال الإشكال. ويدل على صحة هذا أنَّ ابن عمر كان يفتي بقطعهما للنساء، فأخبرته صفية بنت أبي عبيد عَنْ عَائِشَةَ:" أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ رخص للمحرم أن يلبس الخفين ولا يقطعهما، قالت صفية: فلما أخبرته بهذا رجع".
الجواب الثاني: أنَّ الأمر بالقطع كان بالمدينة ورسول الله ﷺ يخطب على المنبر، فناداه رجل فقال:"ما يلبس المحرم من الثياب"؟ فأجابه بذلك، وفيه الأمر بالقطع وحديث ابن عباس وجابر بعده وعمرو بن دينار روى الحديثين معاً ثم قال:"انظروا أيهما كان قبل"، وهذا يدل على أنَّهم علموا نسخ الأمر بحديث ابن عباس.