أحدهما: أنَّه واجب، وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة ومالك والثوري وإسحاق وابن المنذر، وإحدى الروايتين عن أحمد، لأمر رسول الله ﷺ بقطعهما، وتعجب الخطابي من أحمد فقال: العجب من أحمد في هذا! فإنَّه لا يكاد يخالف سنة تبلغه. وَقَلَّتْ سنة لم تبلغه. وعلى هذه الرواية إذا لم يقطعهما تلزمه الفدية.
والثاني: أنَّ القطع ليس بواجب، وهو أصح الروايتين عن أحمد، ويروى عن علي بن أبي طالب، وهو قول أصحاب ابن عباس، وعطاء، وعكرمة. وهذه الرواية أصح، لما في الصحيحين عن ابن عباس قال: سمعت النبي ﷺ يخطب بعرفات: "من لم يجد إزارا فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين". فأطلق الإذن في لبس الخفين ولم يشترط القطع وهذا كان بعرفات، والحاضرون معه إذ ذاك أكثرهم لم يشهدوا خطبته بالمدينة، فإنَّه كان معه من أهل مكة واليمن والبوادي من لا يحصيهم إلَّا الله تعالى، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع. وفي صحيح مسلم عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "من لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل"، فهذا كلام مبتدأ من النبي ﷺ، بين فيه في عرفات في أعظم جمع كان له، أنَّ من لم يجد الإزار فليلبس السراويل، ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ولم يأمر بقطع ولا فتق، وأكثر الحاضرين بعرفات لم يسمعوا خطبته بالمدينة ولا سمعوه يأمر بقطع الخفين، وتأخير البيان عن وقته ممتنع. فدل هذا على أنَّ هذا