خلاف صلاة رسول الله ﷺ؟ وهذه حجة قاطعة؛ فإنَّه من المعلوم أنَّ أهل مكة لما حجوا معه كانوا خلقاً كثيراً وقد خرجوا معه إلى منى يصلون خلفه وإنَّما صلى بمنى أيام منى قصراً والناس كلهم يصلون خلفه: أهل مكة وسائر المسلمين لم يأمر أحداً منهم أن يتم صلاته ولم ينقل ذلك أحد لا بإسناد صحيح ولا ضعيف. ثم أبو بكر وعمر بعده كانا يصليان في الموسم بأهل مكة وغيرهم كذلك ولا يأمران أحداً بإتمام مع أنَّه قد صح عن عمر بن الخطاب أنَّه لما صلى بمكة قال: يا أهل مكة أتموا صلاتكم. فإنَّا قوم سفر. وهذا مروي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في أهل مكة عام الفتح لا في حجة الوداع؛ فإنَّه في حجة الوداع لم يكن يصلي في مكة بل كان يصلي بمنزله. وقد رواه أبو داود وغيره وفي إسناده مقال.
والمقصود أنَّ من تدبر صلاة النبي ﷺ بعرفة ومزدلفة ومنى بأهل مكة وغيرهم وأنَّه لم ينقل مسلم قط عنه أنَّه أمرهم بإتمام: علم قطعاً أنَّهم كانوا يقصرون خلفه وهذا من العلم العام الذي لا يخفى على ابن عباس ولا غيره؛ ولهذا لم يعلم أحد من الصحابة أمر أهل مكة أن يتموا خلف الْإِمَام إذا صلى ركعتين فدل هذا على أنَّ ابن عباس إنَّما أجاب به من سأله إذا سافر إلى منى أو عرفة سفراً لا ينزل فيه بمنى وعرفة؛ بل يرجع من يومه فهذا لا يقصر عنده؛ لأنَّه قد بين أنَّ من ذهب ورجع من يومه لا يقصر وإنَّما يقصر من سافر يوماً ولم يقل: مسيرة يوم؛ بل اعتبر أن يكون السفر يوماً وقد استفاض عنه جواز القصر إلى عسفان. وقد ذكر ابن حزم أنَّها اثنان وثلاثون ميلاً وغيره يقول: أربعة برد