قُلْتُ: وخلاصة القول أنَّ ما جاء عن عمار: «مَنْ صَامَ هَذَا الْيَوْمَ، فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ». لا يثبت من أجل أنَّ أبا إسحاق مدلس ولم يسمع هذا من صلة، وغاية ما ثبت عن عمار أنَّه كان لا يرى صيام يوم الشك، وقد جاء ذلك عن جماعة من الصحابة وهو محمول على شك يوم الصحو لا يوم الغيم وفرق ما بين الشكين.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ](١/ ١٠٦): «الثالث: أنَّ السماء إذا كانت مصحية وتقاعد الناس عن رؤية الهلال أو ادعى رؤيته من لا يقبل خبره أو أجاز أن يكون قد رئي في موضع آخر أو تحدث به الناس لم يثبت؛ كان شكاً مرجوحاً؛ لأنَّ الغالب الظاهر أنَّه لو كان هناك هلال لرآه بعض المقبولين، والأصل عدم الهلال، فاعتضد على عدم الهلال الأصل النافي المبني عليه استصحاب الحال والظاهر الغالب، فلم يكن لتقدير طلوعه بعد هذا إلَّا مجرد وهم وخيال، وأحكام الله لا تبنى على ذلك، فكان الصوم بعد هذا مجرد غلو في الدين وتعمق؛ كالمتورع من مال رجل مسلم مستور، وكتقدير الشبهات والاحتمالات التي لا أمارة عليها، وهذا مما لا يلتفت إليه.
ثم إنَّه في حال الصحو للناس طريق إلى العلم به، وهو ترائي مطلعه والتحديق نحوه؛ فإذا لم يروه؛ جاز نفيه بناء على نفي رؤيته؛ فإنَّ الباحث عن الشيء الطالب له بحسب الوسع والطاقة إذا لم يجده جاز أن ينفيه، وعلى هذا يبنى عامة الأحكام