للمهاجرين والأنصار الذين أوتوا العلم والإيمان. فصار الأعراب الجفاة أعلم بالأمور الخفية من المهاجرين والأنصار بالأمور الظاهرة فهذا كما ترى.
وسادسها: أنَّه فرق بين الأبوال والألبان وأخرجهما مخرجاً واحداً والقران بين الشيئين إن لم يوجب استواءهما فلا بد أن يورث شبهة فلو لم يكن البيان واجباً لكانت المقارنة بينه وبين الطاهر موجبة للتمييز بينهما إن كان التمييز حقاً. وفي الحديث دلالة أخرى فيها تنازع وهو أنه أباح لهم شربها ولو كانت محرمة نجسة لم يبح لهم شربها ولست أعلم مخالفاً في جواز التداوي بأبوال الإبل. كما جاءت السنة؛ لكن اختلفوا في تخريج مناطه فقيل: هو أنَّها مباحة على الإطلاق للتداوي وغير التداوي. وقيل: بل هي محرمة وإنَّما أباحها للتداوي. وقيل: هي مع ذلك نجسة والاستدلال بهذا الوجه يحتاج إلى ركن آخر وهو أنَّ التداوي بالمحرمات النجسة محرم والدليل عليه من وجوه:
أحدها: أنَّ الأدلة الدالة على التحريم مثل قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (٣)﴾ [المائدة: ٣] و: "كل ذي ناب من السباع حرام" و: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠] عامة في حال التداوي وغير التداوي فمن فرق بينهما فقد فرق بين ما جمع الله بينه وخص العموم؛ وذلك غير جائز. فإن قيل: فقد أباحها للضرورة والمتداوي مضطر فتباح له أو أنا نقيس إباحتها للمريض على إباحتها للجائع بجامع الحاجة إليها. يؤيد ذلك أنَّ المرض يسقط الفرائض من القيام في الصلاة والصيام في شهر رمضان والانتقال من الطهارة بالماء إلى الطهارة بالصعيد فكذلك يبيح المحارم؛ لأنَّ الفرائض والمحارم من واد واحد.