وهذا يقتضي أن عادته كانت الإسفار في غير هذا الموضع، إذ المراد به: قبلَ وقتها الذي كانت عادته أن يصلِّيها فيه. فإنه لم يصلِّها يومئذ حتى برَق الفجرُ، كما في حديث جابر. وهي قبل ذلك لا تجوز إجماعًا.
قلنا: قال الإمام أحمد: الإسفار عندي أن يتيقَّن الفجرَ (١). ولم يرَ الإسفارَ التنوير. يقال للمرأة: أسفرت عن وجهها. وقال أيضًا: إسفار الفجر: طلوعه (٢).
وهذا لأنه يقال: أسفر الفجر: أضاء. وأسفر وجهُه حسنًا: أي أشرَق. وسفَرت المرأة: كشفت عن وجهها. ومَسافِرُ الوجه (٣): ما يظهر. ومنه: السَّفَر، والسِّفْر، والسَّفير. فهذه المادة حيث تصرَّفت، فإنما معناها: البيان والظهور (٤). ومعلوم أنه إذا طلع الفجر فقد حصل البيان والظهور. قال الله تعالى:{حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}[البقرة: ١٨٧]. ويقال: أبيَن من فلَق الصبح، ومن فرَق الصبح.
ومعنى الحديث على هذا: تأخيرُها حتى يتيقَّن الفجر بحيث لا يكون فيه شكٌّ لأحد، وإن جاز فعلُها أولَ ما يبزغ به (٥)، بحيث قد يحصل معه شكٌّ لبعض الناس، لاسيَّما من يقول: إنه يجوز فعلُها إذا غلب على الظن دخولُ الوقت. وإنما ذُكِر هذا في الفجر لأنَّ طلوع الفجر مظِنَّةُ الاشتباه، لاسيَّما إذا
(١) انظر نحوه في «مسائل الكوسج» (٢/ ٤٣٤). (٢) «مسائل صالح» (٣/ ٥١). (٣) في المطبوع: «سافر الوجه»، والصواب ما أثبت من الأصل. (٤) انظر نحوه في «الصواعق المرسلة» (١/ ٣٣٠ - ٣٣١). (٥) كذا «به» في الأصل والمطبوع، وكأنها مقحمة.