تدل على هذا. ولهذا أنكر وجوب الاستدلال بالجَدْي، وقال: إنما الحديث «ما بين المشرق والمغرب»(١).
وهذا اختيار الخِرَقي وجماهير أصحابنا (٢)، لأنَّ الله سبحانه قال:{فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}[البقرة: ١٤٤]. والمسجد الحرام: اسمٌ للحرم كلِّه. وشطرَه: نحوَه واتجاهه. فعُلِمَ أنَّ الواجب تولية الوجه إلى نحو الحرم، والنحو هو الجهة بعينها. ثم قال بعد ذلك:{وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا}[البقرة: ١٤٨]. والوجهة: الجهة. [ص ٢٠٢] فعُلِم أنَّ الواجب تولِّي جهة المسجد الحرام.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما بين المشرق والمغرب قبلة» رواه ابن ماجه، والترمذي (٣)
وقال: حديث صحيح. وروي
(١) انظر: «مسائل أبي داود» (ص ٦٧) و «المغني» (٢/ ١٠١) و «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٢١٣). (٢) «مختصر الخرقي» (ص ١٩)، «المستوعب» (١/ ١٦٧ - ١٦٨)، «الفروع» (٢/ ١٢٤). (٣) ابن ماجه (١٠١١)، والترمذي (٣٤٢)، من طريق أبي معشر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به. قال الترمذي: «حديث أبي هريرة قد روي عنه من غير وجه، وقد تكلم بعض أهل العلم في أبي معشر من قبل حفظه، واسمه نجيح مولى بني هاشم، قال محمد: لا أروي عنه شيئًا، وقد روى عنه الناس»، وعده النسائي في «الصغرى» (٢٢٤٣) من مناكيره، وكذا ابن عدي في «الكامل» (٥/ ١٨٨). وأخرجه الترمذي (٣٤٤) من طريق عبد الله بن جعفر المخرمي، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة به، وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، ونقل عن البخاري أنه قال فيه: «أقوى من حديث أبي معشر وأصح».
وأعل أحمد سائر طرقه، وقال: «ليس له إسناد»، وقد فسّره أبو داود بقوله: «ليس له إسناد؛ لحال عثمان الأخنسي؛ لأن في حديثه نكارة» «مسائل أحمد» (٣٠٠). انظر: «السنن الكبرى» للبيهقي (٢/ ٩)، «فتح الباري» لابن رجب (٢/ ٢٨٩ - ٢٩١).