فما أحوجنا في هذا الزمان إلى هذا الأدب مع القرآن والسُنَّة، كلُّ من لم يفهم آية طعن في الإسلام، وكلُّ من أشكل عليه حديث بدأ يتكلم، وهؤلاء مشيخة من الصحابة -رضي الله عنهم-، والرسول -صلى الله عليه وسلم- يحثو في وجوههم التراب، ويعاتبهم:«بِهَذَا أُمِرْتُمْ، أَوْ لِهَذَا خُلِقْتُمْ؟!»، ويقول:«مَا لَكُمْ تَضْرِبُونَ كِتَابَ اللهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ؟!»، تأديبا للأمة -صلى الله عليه وسلم-.
وفي الصحيحين عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «اقْرَؤوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ فَقُومُوا»(٢).
وجاء أيضًا في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لأصحابه:«مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلاَّ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَإِلاَّ قَدْ كُتِبَ شَقِيَّةً، أَوْ سَعِيدَةً» قال رجل: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ (أنتكل على كتابنا وندع العمل ما دام أنه قد كُتِبَ أهل الجنة من أهل النار أنتكل على ذلك وندع العمل؟) فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ» ثُمَّ قَرَأَ قول الله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)} [الليل](٣). فالإيمان بالقضاء والقدر لا يتعارض أبدًا مع العمل؛ لأن القدر سرُّ الله المكتوم، فالله -عز وجل- لم يبين لنا ما في الغيب ونحن لا نعلم ما في الغيب. أمرك أن تطيعه
(١) أخرجه أحمد (٦٧٠٢، ٦٦٦٨)، وابن ماجه (٨٥)، وهو في صحيح مسلم (٢٦٦٦/ ٢) مختصرًا. (٢) أخرجه البخاري (٥٠٦٠)، ومسلم (٢٦٦٧) واللفظ له. (٣) أخرجه البخاري (١٣٦٢)، ومسلم (٢٦٤٧) من حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-.