الصِّرَاطِ قَالَ وَالرَّبُّ -عز وجل- أَمَامَهُمْ حَتَّى يَمُرَّ فِي النَّارِ فَيَبْقَى أَثَرُهُ كَحَدِّ السَّيْفِ دَحْضَ مَزِلَّةٍ فَيَقُولُ مُرُّوا فيمرون على قدر نورهم» (١).
وروى الحاكم عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَجَرَةَ الرَّهَاوِيِّ، وَكَانَ مِنْ أُمَرَاءِ الشَّامِ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى الْجُيُوشِ، أنه قال: « … إِنَّكُمْ مَكْتُوبُونَ عِنْدَ اللَّهِ بِأَسْمَائِكُمْ وَسِيمَائِكُمْ وَحِلَاكُمْ وَنَجْوَاكُمْ وَمَجَالِسِكُمْ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قِيلَ: يَا فُلَانُ هَذَا نُورُكَ، وَيَا فُلَانُ لَا نُورَ لَكَ … » (٢)
قال ابن القيم -رحمه الله-: وقد أشار النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أن كمال ما يُستمتع به من الطيبات في الآخرة بحسب كمال ما قابله من الأعمال في الدنيا، ثم قال: وَمِنْهَا: قَسْمُهُ الْأَنْوَارَ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ يُعْطَى مِنَ النُّورِ هُنَاكَ بِحَسَبِ قُوَّةِ نُورِ إِيمَانِهِ وَيَقِينِهِ وَإِخْلَاصِهِ وَمُتَابَعَتِهِ لِلرَّسُولِ -صلى الله عليه وسلم- فِي دَارِ الدُّنْيَا فَمِنْهُمْ: مَنْ يَكُونُ نُورُهُ كَالشَّمْسِ وَدُونَ ذَلِكَ كَالْقَمَرِ وَدُونَهُ كَأَشَدِّ كَوْكَبٍ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً. وَمِنْهُمْ: مَنْ يَكُونُ نُورُهُ كَالسِّرَاجِ فِي قُوَّتِهِ وَضَعْفِهِ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ. وَمِنْهُمْ: مَنْ يُعْطَى نُورٌ عَلَى إِبْهَامِ قَدَمِهِ يُضِئُ مَرَّةً وَيُطْفِيُ أُخْرَى بِحَسَبِ مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ نُورِ الْإِيمَانِ فِي دَارِ الدُّنْيَا فَهُوَ هَذَا النُّورُ بِعَيْنِهِ أَبْرَزَهُ اللَّهُ لِعَبْدِهِ فِي الْآخِرَةِ ظَاهِرًا يُرَى عِيَانًا بِالْأَبْصَارِ، وَلَا يَسْتَضِيءُ بِهِ غَيْرُهُ وَلَا يَمْشِي أَحَدًا إِلَّا فِي نُورِ نَفْسِهِ إِنْ كَانَ " لَهُ " نُورٌ مَشَى فِي نُورِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ أَصْلًا لَمْ يَنْفَعْهُ نُورُ غَيْرِهِ. وَلَمَّا كَانَ الْمُنَافِقُ فِي الدُّنْيَا قَدْ حَصَلَ لَهُ نُورٌ ظَاهِرٌ غَيْرُ مُسْتَمِرٍّ وَلَا مُتَّصِلٍ بِبَاطِنِهِ وَلَا لَهُ مَادَّةٍ مِنَ الْإِيمَانِ أُعْطِيَ فِي الْآخِرَةِ نُورًا ظَاهِرًا لَا مَادَّةَ لَهُ ثُمَّ يُطْفَأُ عَنْهُ أَحْوَجُ مَا كَانَ إِلَيْهِ. (٣).
[النبي -صلى الله عليه وسلم- يعرف أمته بنورهم]
روى ابن المبارك والحاكم عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، سَمِعَ أَبَا ذَرٍّ، وَأَبَا الدَّرْدَاءِ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ فِي السُّجُودِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ بِرَفْعِ
(١) تقدم قريبا (ص: ٣١٢)(٢) مستدرك الحاكم (٦٠٨٧) وصحح إسناده الألباني في السلسلة الصحيحة (٦/ ٣٧٥) والضعيفة (٨/ ٢١٧).(٣) انظر: «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ٧٣ ط عطاءات العلم)
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute