بإيجاب البراءة عليه بعد علة الضمان له، وصار كما لو شهدا بأنه أبرأ غريمه عن الدين، ثم رجعوا يضمنون. ونظيره ما لو شهدا بالطلاق قبل الدخول ثم رجعا؛ ضمنا نصف المهر، كأنهما أوجبا عليه؛ لأن الفرقة قبل الدخول توجب البراءة عن كل المهر، فكأنهما أوجبا بعد البراءة.
وأما في مسألة إعقاب القتل بعد القطع؛ فقلنا: إنما لم يضمن؛ لأن حقه في النفس، والأطراف تابعة لها، فيثبت الحق في استيفاء الأطراف تبعا لا مقصودًا، فإذا استوفى الطرف مقصودًا؛ كان مستوفيًا ما ليس بحق له، إلا أنه قبل العفو كان متمكنا من أن يجعله تبعًا للنفس، بأن يقتله ويكون كل واحد من الفعلين قتلا، ويصير الطرف تبعًا للنفس، فلا يضمن شيئًا، وبعد العفو سقط حقه في النفس، وبقي الطرف مقصودًا، ولا حق له فيه مقصودا، وكان مضمونا عليه؛ ألا ترى أن من وجب عليه قصاص على امرأة، لو زني بها يحد، والمستوفى في الوطء في حكم جزء من العين، فلو ثبت له الحق في الطرف مقصودًا؛ لصار ذلك شبهة في سقوط الحد، فعلم أن ما يبرأ خلاف المعقول جاء من معنى آخر؛ وهو أنه بالعفو أسقط حقه في النفس، فكان ما قطعه قبل العفو واقعا في غير محله، وظهر ذلك بالعفو، فأضيف الحكم إلى العفو باعتباره.
وأما جواب مسألة سراية القطع بعد العفو، مذكور في الكتاب؛ وهو [أن](١) بالسراية تيقن أن القطع قتل، إلى آخره.
وأما المرتد؛ فقد سقط تقومه في النفس والطرف بالارتداد في حق الكل، بخلاف من عليه القصاص؛ أن نفسه متقومة في حق غير من له حق القصاص، على ما ذكرنا أشار إلى الكل في المبسوط، والأسرار.