للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَقَالَا: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) (*) لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ فَلَا يَضْمَنُهُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ إِتْلَافَ النَّفْسِ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا، وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يَعْفُ لَا يَضْمَنُهُ، وَكَذَا إِذَا سَرَى وَمَا بَرِئَ، أَوْ مَا عَفَا وَمَا سَرَى، أَوْ قَطَعَ ثُمَّ حَرَّ رَقَبَتَهُ قَبْلَ البُرْءِ أَوْ بَعْدَهُ، وَصَارَ كَمَا إِذَا كَانَ لَهُ قِصَاصٌ فِي الطَّرَفِ فَقَطَعَ أَصَابِعَهُ، ثُمَّ عَفَا لَا يَضْمَنُ الأَصَابِعَ. وَلَهُ: أَنَّهُ اسْتَوْفَى غَيْرَ حَقِّهِ، لِأَنَّ حَقَّهُ فِي القَتْلِ. وَهَذَا قَطْعُ وَإِبَانَةٌ، وَكَانَ القِيَاسُ: أَنْ يَجِبَ القِصَاصُ إِلَّا أَنَّهُ سَقَطَ لِلشَّبْهَةِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُتْلِفَهُ تَبَعًا، وَإِذَا سَقَطَ وَجَبَ المَالُ، وَإِنَّمَا لَا يَجِبُ فِي الحَالِ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَصِيرَ قَتْلًا بِالسِّرَايَةِ فَيَكُونُ مُسْتَوْفِيًا حَقَّهُ، وَمِلْكُ القِصَاصِ فِي

(وقالا)؛ أي: أبو يوسف ومحمد (لا شيء عليه) لا القصاص ولا الدية، وبه قال الشافعي؛ لأنه قطع يدا من نفس لو أتلفها لم يضمن، فوجب أن لا يضمن اليد، كما لو قطع يد مرتد ثم أسلم (وهذا لأنه استحق إتلاف نفسه بجميع أجزائها) فيستتبع الحق في الأجزاء، فيبطل بالعفو حقه عما بقي، لا عما استوفى.

(ولهذا لو لم يعف)؛ أي: لم يعف وسرى (لا يجب الضمان عليه): هذا إلزام على أبي حنيفة، لا على أحمد ومالك؛ لأنهما قالا بضمان اليد بعد الاستيفاء، كما ذكرنا.

وقوله: (وما برئ) تأكيد لقوله: (إذا سرى)؛ أي: لم يعف وسرى (وما عفا)؛ يعني: قطع وما عفا (وما سرى)؛ يعني: ما ظهر حاله بعد القطع.

وكان القياس أن يجب القصاص كالأجنبي، وهو قول مالك.

(إلا أنه)؛ أي: القصاص (سقط للشبهة).

قوله: (فإن له أن يتلفه)؛ أي: الطرف (تبعًا) للنفس تعليل لإثبات الشبهة.

وقوله: (وإنما لا يجب في الحال): جواب سؤال تقديري، وهو أن يقال: لما سقط القصاص ووجب المال؛ ينبغي أن يثبت المال في الحال، ولا يتوقف على البرء، كما في الجنايات. فقال: يحتمل أن يصير قتلا بالسراية، فيظهر [أنه] (١) استوفى حقه.

وقوله: (وملك القصاص) إلى آخره جواب عما قالا: أنه استوفى حقه،


(*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.

<<  <  ج: ص:  >  >>