للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بِخِلَافِ العَفْوِ عَنْ الجِنَايَةِ، لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسِ، وَبِخِلَافِ العَفْوِ عَنِ الشَّجَّةِ وَمَا يَحْدُثُ

(بخلاف العفو عن الجناية لأنه)؛ أي: لفظ الجناية (اسم جنس) فيتناول الساري وغيره؛ وهذا لأن المعتبر في الجناية مآلها؛ ألا ترى أن أصل الفعل قد لا يكون موجبا للقصاص، وبالسراية يتبين أنه كان موجبا، وقد يكون موجبا للقصاص، فبالسراية يتبين أنه كان غير موجب، كما لو قطع يده من المفصل فسرى إلى نصف الساعد، وباعتبار المال هنا يتبين أنه لم يكن له حق في اليد؛ ألا ترى أنه لو قال الولي بعد السراية: عفوتك عن اليد؛ لم يصح، فكذا قبل السراية. ولو قال المجني عليه: عفوتك عن القتل ثم اقتصر؛ لم يصح، فكذا إذا قال: عفوتك عن اليد فسرى.

فإن قيل: يشكل بما قال في الجامع الصغير: أن عبدا لو قطع يد شخص، فصالح مولاه عن القطع، على أن يدفع العبد إليه؛ فأعتقه المجني عليه ثم مات؛ فإن العتق نافذ، والعبد صلح بالجناية، فلما كان الصلح عن القطع صلحا عن السراية، فكذلك العفو.

وكذا في الجامع الكبير: ادعى على رجل شجة مع السراية، وشهد أحدهما والآخر بها، وبالسراية تقبل شهادتهما على الشجة، ولو لم تكن الشجة بعد السراية صفة؛ لما قبلت لاختلاف الشاهدين.

وكذا لو قال: اقطع يدي، فقطعه المأمور ثم سرى؛ لا يضمن القاطع؛ دل أن اسم القطع يتناول الساري. وكذا عدم وجوب القصاص في النفس والعفو عن القطع؛ يدل على أن العفو عن القطع عفو عما يحدث عنه، وإلا يوجب القصاص كما قال مالك.

قلنا: في مسألة الجامع الصغير: لو لم يعتق العبد حتى سرى؛ فالصلح باطل، والقصاص واجب عند أبي حنيفة.

قيل: ما ذكر هنا جواب القياس. وقيل: بل يفرق أبو حنيفة ويقول: الصلح مضاف إلى العبد، والعفو ليس بسبب؛ لثبوت حقه في النفس، وهنا العفو يلاقي المعفو؛ وهو القطع أو الشجة، وهو سبب لثبوت حقه في النفس، فيصير ذلك شبهة في إسقاط القود.

<<  <  ج: ص:  >  >>