للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مُوجِبِهِ، وَمُوجِبُهُ القَطْعُ لَو اقْتَصَرَ، أَوْ القَتْلُ إِذَا سَرَى، فَكَانَ العَفْوُ عَنْهُ عَفْوًا عَنْ أَحَدٍ مُوجِبَيْهِ أَيُّهُمَا كَانَ، وَلِأَنَّ اسْمَ القَطْعِ يَتَنَاوَلُ السَّارِيَ وَالمُقْتَصِرَ، فَيَكُونُ العَفْوُ عَنْ قَطْعِ عَفْوًا عَنْ نَوْعَيْهِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا عَفَا عَنْ الجِنَايَةِ، فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الجِنَايَةَ السَّارِيَةَ وَالمُقْتَصِرَةَ، كَذَا هَذَا، وَلَهُ: أَنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ قَدْ تَحَقَّقَ، وَهُوَ قَتْلُ نَفْسٍ مَعْصُومَةٍ مُتَقَوْمَةٍ، وَالعَفْوُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ بِصَرِيحِهِ، لِأَنَّهُ عَفَا عَنِ الْقَطْعِ وَهُوَ غَيْرُ القَتْلِ، وَبِالسِّرَايَةِ تَبَيَّنَ أَنَّ الوَاقِعَ قَتْلٌ وَحَقَّهُ فِيهِ وَنَحْنُ نُوجِبُ ضَمَانَهُ. وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ القِصَاصُ وَهُوَ القِيَاسُ، لِأَنَّهُ هُوَ المُوجِبُ لِلْعَمْدِ، إِلَّا أَنَّ فِي الاسْتِحْسَانِ تَجِبُ الدِّيَةُ، لِأَنَّ صُورَةَ العَفْوِ أَوْرَثَتْ شُبْهَةٌ، وَهِيَ دَارِئَةٌ لِلْقَوَدِ. وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ السَّارِيَ نَوْعٌ مِنْ القَطْعِ، وَأَنَّ السِّرَايَةَ صِفَةٌ لَهُ، بَلْ السَّارِي قَتْلٌ مِنْ الابْتِدَاءِ، وَكَذَا لَا مُوجِبَ لَهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ قَطْعًا، فَلَا يَتَنَاوَلُهُ العَفْوُ،

قوله: (يتناول الساري): ولهذا لو قال لغيره: اقطع يدي، فقطع ثم سرى إلى النفس؛ لا يضمن القاطع شيئًا بالإجماع. كذا ذكره شيخ الإسلام.

(فيكون العفو عنه)؛ أي: عن القطع (عفوًا (١) عن نوعيه) وهو المقتصر والساري، كما لو قال للغاصب: أبرأتك عن الغصب؛ يكون إبراء عن ضمانه، وهو رد العين عند قيامه، ورد قيمته عند هلاكه.

(فإنه)؛ أي: العفو عن الجناية (يتناول السارية والمقتصرة) بلا خلاف لأحد، فكذا هذا.

قوله: (بل الساري قتل من الابتداء)؛ لأن القتل فعل مزهق للروح، فلما عقبه انزهاق الروح؛ عرفنا أنه كان قتلا.

(لا موجب له)؛ أي: للساري، فإن القطع قودًا ليس بموجب للقطع الساري.

قوله: (فلا يتناوله العفو)؛ أي: لا يتناول العفو القطع الساري؛ لأنه قتل، والقطع غير القتل.


(١) في الأصل: (عفو) والمثبت هو الصواب.

<<  <  ج: ص:  >  >>