للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَلَنَا: أَنَّ الْأَطْرَافَ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكُ الأَمْوَالِ فَيَنْعَدِمُ التَّمَاثُلُ بِالتَّفَاوُتِ فِي القِيمَةِ، وَهُوَ مَعْلُومٌ قَطْعًا بِتَقْوِيمِ الشَّرْعِ فَأَمْكَنَ اعْتِبَارُهُ، بِخِلَافِ التَّفَاوُتِ فِي البَطْشِ، لِأَنَّهُ لَا ضَابِطَ لَهُ، فَاعْتُبِرَ أَصْلُهُ، وَبِخِلَافِ الأَنْفُسِ، لِأَنَّ المُتْلَفَ إِزْهَاقُ الرُّوحِ وَلَا تَفَاوَتَ فِيهِ.

قلنا: نعم إذا كان التفاوت بسبب حسي، كالشلل وفوات بعض الأصابع، أما إذا كان التفاوت بمعنى حكمي؛ فإنه يمنع استيفاء كل واحد لصاحبه، كاليمين مع اليسار، وفي التفاوت الحسي، من له الحق إذا رضي بالاستيفاء يجعل مُبَرِّئًا لبعض حقه مستوفيًا لما بقي، وذلك جائز، ولهذا لا يستوفي الأكمل بالأنقص، وإن رضي به القاطع؛ لأنه بالرضى يكون باذلا للزيادة، فلا يحل استيفاء الطرف بالبدل. فأما إذا كان التفاوت بمعنى حكمي؛ فلا وجه؛ لتمكنه من الاستيفاء هاهنا بطريق إسقاط البعض، ولا بطريق البدل. كذا قيل.

قوله: (وهو معلوم)؛ أي: التفاوت في القيمة معلوم (بتقويم الشرع) فإن الشرع قوَّم اليد الواحدة للحر بخمسمائة دينار قطعا ويقينا، ولا تبلغ قيمة يد العبد إلى ذلك، ولو بلغت إنما تبلغ بالحزر والظن فلا تكون مساوية ليد الحر، فينعدم التماثل.

وهذا في الحقيقة جواب عن شبهة ترد على التعليل، وهو أن ما ذكرتم يستقيم بين طرف الحر والعبد، ولا يستقيم بين طرف العبدين (١)، فأما لو فرضنا المسألة فيما إذا استوت قيمة العبدين باتفاق المقومين؛ كانت قيمة أطرافهما أيضًا مستوية، فحينئذ ينبغي أن يجري القصاص بين طرفي العبدين؛ لاستواء قيمتهما.

فقال: لا وجه لذلك؛ لأن طريق معرفة استوائهما الحزر والظن، والمماثلة المشروطة شرعًا لا تثبت بطريق الحزر والظن، كالمماثلة في الأموال الربوية عند المقابلة بجنسها.

وفي المبسوط: الدليل على أن المساواة في القيمة شرط لجريان القصاص


(١) في الأصل: (العبد) ولعل المثبت أليق بالسياق.

<<  <  ج: ص:  >  >>