للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المَالِ، فَلَا يَتَعَيَّنُ مَدْفَعًا لِلْهَلَاكِ،

أو المراد: ألا يجبر الولي على أخذ الدية، شاء أو أبى.

يؤيده: ما روى البخاري، أن الربيع بنت النَّضْر لطمت جارية، فكسرت سنها، فطلبوا العفو، فأبوا، فعرضوا عليهم الأرش، فأبوا إلا القصاص، فجاء أخوها أنس بن النضر، وقال: يا رسول الله، أتكسر سن الربيع، والذي بعثك بالحق؛ لا تكسر سنها، فقال : «يا أنس، كتاب الله القصاص» فرضي القوم، فعفوا، فقال : «إن من عبادِ اللهِ مَنْ لو أقسم علَى اللهِ لأبره» (١) فلما كان كذلك؛ علم أن الذي يجب بكتاب الله وسنة رسوله القصاص في العمد؛ لأنه لو كان يجب الخيار للولي بين القصاص وأخذ الدية؛ لخيرها ، ولأعلمها بما تختار من ذلك؛ ألا ترى أن حاكما لو تقدم إليه رجل في شيء؛ يجب له شئين (٢)، وثبت عنده، لا يحكم له بأخذ الشيئين، بل يحكم له بأن يختار أحدهما ما أحب، فإن تعدّى فقد قصر في الحكم، خصوصا عن رسول الله ، فعلم أن المراد من حديث شريح وأبي هريرة بطريق الرضى؛ لما ذكرنا أن المفاداة من الجانبين.

ويؤيده: ما روى البخاري، عن ابن عباس أنه قال: كان في بني إسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدية، فقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ إلى قوله: ﴿فَانْبَاعُ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَانِ﴾ [البقرة: ١٧٨] أي: لولي الجناية.

﴿وَأَدَاءُ إِلَيْهِ﴾ أي: أداء للقاتل، يعني: يؤديه بإحسان بعد قبول الدية، ويحتمل أن يكون ذلك في الدم كما تمسك الخصم، ويحتمل أن يكون ذلك في الدم الذي بين جماعة فعفا أحدهم، وقد تأولت العلماء هذه الآية عليها، ولا حجة فيها لبعض على بعض إلا بدليل.

وقد روى الترمذي عن أبي شريح الخزاعي، أنه قال: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قتيل؛ فهو بالخيار بين أن يَعفُو، أو يقتص، أو يأخذ الدية» (٣) فقد جعل عفو


(١) أخرجه البخاري (٤/١٩ برقم ٢٨٠٦)، ومسلم (٣/ ١٣٠٢ برقم ١٦٧٥) من حديث أنس بن مالك. .
(٢) كذا بالنسخ الخطية، والصواب: (شيئان).
(٣) أخرجه الترمذي (٤/٢١ برقم ١٤٠٦) من حديث أبي شريح الخزاعي.

<<  <  ج: ص:  >  >>