الأولياء، فإن القاتل يصير حربًا على أولياء القتيل خوفًا على نفسه منهم، فهو يقصد قتالهم؛ لإزالة الخوف على نفسه، فالشرع أمكنهم من قتله قصاصا دفعا لشره عن أنفسهم، وإحياء الحي في دفع سبب الهلاك عنه.
فالحاصل: أن القصاص حياة، وإنما يجب ضمان الجبر بقدر الإمكان في جبر الحياة، ولا يمكن بأكثر من هذا، فأما المال فليس فيه من معنى الحياة شيء، ولا المماثلة من وجه، وإنما تجب الدية في الخطأ بخلاف القياس منه على القاتل والمقتول؛ لأن الخاطئ معذور، ونفس المقتول محرمة، تسقط حرمتها، فلم يهدر دمه - كما ذكر في الأصول - فشرع المال عند عدم الإمكان؛ لا يدل على شرعه عند الإمكان.
قوله:(ولا يُتيقن بعدم قصد الولي)؛ يعني: يجوز أن يأخذ المال، ثم تهيجه الضغينة وتحركه العداوة على ارتكاب قتله، وإن لم يكن ذلك شرعًا، فلم يتعين مدفعا للهلاك.
وأما الجواب عن الحديث: أنه محمول على رضى القاتل، وإنما لم يذكر رضى القاتل؛ لأن ذلك معلوم ببديهة العقل، فإن من أشرف على الهلاك إذا تمكن من دفع الهلاك عن نفسه بأداء المال؛ لا يمتنع من ذلك إلا من سفهت نفسه؛ لأن امتناعه لإبقاء منفعة المال لنفسه، ولا يتصور ذلك بعدما تلفت نفسه، وهو نظير قوله ﷺ:«خُذْ سَلَمَكَ أو رأسَ مالِكَ»(١)، وهو في أخذ رأس المال يحتاج إلى رضى المسلم إليه، ولم يذكره؛ لأنه غير محتاج؛ لأنه معلوم بطريق الظاهر.
يؤيده: ما جاء في بعض الروايات: «إن أحَبُّوا قَتَلُوا وإِن أَحَبُّوا تَفادُوا» والمفاداة مفاعلة، فتقتضي الفعل من الجانبين، وذلك بطريق الصلح.
(١) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٧٦ برقم ٣٤٦٨)، وابن ماجه (٢/ ٧٦٦) برقم (٢٢٨٣) من حديث أبي سعيد الخُدْرِي ﵁. قال الترمذي: لَا أَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. العلل الكبير (١٩٥/ ٣٤٦).