للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بِخِلَافِ بَوْلِ الحِمَارِ، لِأَنَّ الْأَرْضَ تُنَشِّفُهُ.

قُلْنَا: الضَّرُورَةُ فِي النِّعَالِ قَدْ أَثَّرَتْ فِي التَّخْفِيفِ مَرَّةً حَتَّى تَطْهُرَ بِالْمَسْحِ فَتَكْفِي مُؤْنَتُهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَاكُولِ اللَّحْمِ وَغَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ،

ثم إنهما فرقا بين بول ما يؤكل لحمه، وبين روثه، ولم يثبتا الخفة في حق البول لعدم الضرورة فيه، وذلك لأن صاحب الدابة متى سيرها ربما يغفل عنها فيصيبه روثها من حيث لا يمكنه دفعه، وهذا معدوم في البول؛ لأن الأرض تنشفه.

وفي الصحاح: نشف الحوض الماء نشفًا شربه (١).

ولأن اختلاط الناس في الروث أكثر لأنهم يتخذونه وقودًا، ويعالجونه في إصلاح الأراضي.

(بخلاف بول الحمار)، يعني أنه نجس نجاسة غليظة لعدم الضرورة؛ (لأن الأرض تنشفه).

(وقد أثرت)، أي الضرورة، في تخفيف الأرواث مرة حتى طهر الخف عنها بمجرد المسح، فكفيت مؤونة الضرورة بتلك التخفيف فلا يؤثر في تخفيف نجاستها ثانيًا إلحاقا للروثة بالعذرة.

فإن قيل: هذا مخالف لما ذكره في تخفيف القراءة في السفر، وهو قوله: (لأن السفر أثر في إسقاط شطر الصلاة) إلى آخره كما يجيء (٢)، فاستدل بوجود التخفيف مرةً على التخفيف ثانيًا هناك، وأباه هاهنا.

قلنا: لا مخالفة بينهما من حيث المعنى، بل كل واحد في مجره، وذلك لأن سقوطه في السفر رخصة إسقاط، والحكم فيها أن لا تبقى العزيمة مشروعة أصلا لما عرف، فلما كان كذلك كان الساقط كأنه لم يكن؛ فكان التخفيف بالقراءة حينئذ ابتداءً لا ثانيًا، ألا ترى كيف راعى لفظ الإسقاط في الركعتين والتخفيف في القراءة، أما هاهنا يعمل بالضرورة، والثابت بها يتعدد بقدرها


(١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري (٤/ ١٤٣٢).
(٢) سيأتي في باب صفة الصلاة.

<<  <  ج: ص:  >  >>