للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

(وَمَنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ أَوْ لَا يَشتَرِي، أَوْ لَا يُؤَاجِرُ، فَوَكَّلَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، لَم يَحنَتْ) لأَنَّ العَقدَ وُجِدَ لَهُ مِنْ العَاقِدِ حَتَّى كَانَتْ الحُقُوقُ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا لَو كَانَ العَاقِدُ هُوَ الحَالِفُ يَحنَثُ فِي يَمِينِهِ، فَلَم يُوجَد مَا هُوَ الشَّرطُ، وَهُوَ العَقْدُ مِنْ الْآمِرِ، وَإِنَّمَا الثَّابِتُ لَهُ حُكمُ العَقدِ، (إِلَّا أَنْ يَنوِيَ ذَلِكَ)، لِأَنَّ فِيهِ تَشْدِيدًا (أَوْ يَكُونَ الحَالِفُ ذَا سُلطَانِ، لَا يَتَوَلَّى العَقِدَ بِنَفْسِهِ)، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ نَفْسَهُ عَمَّا يَعتَادُهُ

الأصل عندنا أن كل فعل يرجع حقوقه إلى المباشر لا يحنث، والحالف مباشرة المأمور لوجوده منه حقيقةً وحكمًا في كل عقد لا يرجع الحقوق إلى المباشر؛ بل هو سفير ومعتبر يحنث بمباشرة المأمور.

فمما يحنث بالمباشرة لا بالأمر: البيع والشراء، والإجارة والاستئجار، والصلح عن مال، والقسمة، والخصومة، وضرب الولد، ومما يحنث بالأمر أيضًا: النكاح والطلاق والعتاق والهبة والصدقة والقرض، والاستقراض، والصلح عن دم العمد والذبح والإيداع وقبول الوديعة، والإعارة والاستعارة، وخياطة الثوب، والبناء، وضرب العبد، ذكره المرغيناني.

قوله: (حلف لا يبيع) إلى قوله: (لم يحنث)، وبه قال الشافعي في الأظهر. وقال مالك وأحمد يحنث؛ لأن الفعل يُطلق على الموكل، وبالأمر يصير كأنه فعله بنفسه كما لو حلف لا يحلق رأسه وأمر غيره أن يحلقه يحنث.

وقلنا: لم يوجد العقد من الأمر وهو شرط الحنث لا حقيقةً ولا حكمًا؛ ولهذا لم ترجع الحقوق إليه، ووجد من العاقد حقيقة فظاهر، وحكمًا لأن الحقوق ترجع إليه، حتى لو كان العاقد حالفًا يحنث بالإجماع.

وقوله: (وإنما الثابت له) أي: للآمر حكم العقد وهو الملك، جواب عما قال الخصم: إن هذا العقد ثابت له.

وقوله: (إلا أن ينوي ذلك) أي: الأمر أيضًا، وهذا الاستثناء من قوله: (لم يحنث) إلا أن ينوي ذلك فحينئذ يحنث.

قوله: (أو يكون الحالف ذا سُلطان) يحنث الأمر سواء نوى أو لم ينو؛ لأن مقصوده من ذلك الفعل هو الأمر به بدلالة الحال، وبه قال الشافعي في وجه.

<<  <  ج: ص:  >  >>