للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١] وَقَدْ يُرَادُ بِهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينِ﴾ [إبراهيم: ٢٥] وَهَذَا هُوَ الوَسَطُ فَيَنصَرِفُ إِلَيْهِ، وَهَذَا لِأَنَّ اليَسِيرَ لَا يُقصَدُ بِالمَنعِ لِوُجُودِ الامتِنَاعِ فِيهِ عَادَةِ، وَالمُؤَبَّدُ لَا يُقصَدُ غَالِبًا، لِأَنَّهُ بِمَنزِلَةِ الأَبَدِ، وَلَو سَكَتَ عَنهُ يَتَأَبَّدُ فَيَتَعَيَّنُ مَا ذَكَرنَا.

وَكَذَا الزَّمَانُ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ الحِينِ، يُقَالُ: مَا رَأَيْتُكَ مُنذُ حِينٍ وَمُنذُ زَمَان بِمَعْنَى، وَهَذَا إِذَا لَم تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، أَمَّا إِذَا نَوَى شَيْئًا فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى، لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ (وَكَذَلِكَ الدَّهْرُ عِندَهُمَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الدَّهْرُ لَا أَدْرِي مَا هُوَ) (*)

(ولو سكت عنه) أي: عن ذكر الحين (يتأبد) أي: يقع يمينه على الأبد، فتعين ما ذكرناه وهو الوسط؛ لما ذكرنا أنه لم يُرد ساعة، وكذا أربعين سنة؛ لأنه لو أراد ذلك لسكت عن ذكر الحين حتى يتأبد؛ لأنها في معنى الأبد في المتعارف.

قوله: (وهذا) أي: هذا الخلاف، أي: الحمل على ستة أشهر إذا لم تكن له نية، وإن كانت فَعَلَى ما نوى.

قوله: (وكذلك الدهر عندهما) يحمل على ستة أشهر، وعند الشافعي يحمل الدهر والزمان والعصر على أدنى مدة، وبه قال أحمد.

وعند مالك على سنة، وقال أبو حنيفة: لا أدري ما الدهر؛ لأن الناس يستعملونه بمعنى الحين، والزمان بمعنى الأبد.

ألا ترى أن معرفة على الأبد بخلاف الحين؛ لأن معرفهما ومنكرهما سواء، يقال: فلان دهري - بضم الدال - إذا كان مُعَمِّرًا، ودهري - بالفتح - إذا قال بالدهر وأنكر الصانع، قال تعالى حكاية عنهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]، فكان محملًا ولم يقف على مرادِ المتكلم، والترجيح بلا دليل لا يجوز، فكان قوله: (لا أدري) من تمام وكمال علمه وورعه.

وروي [أن] (١) ابن عمر سُئل عن شيء، فقال: لا أدري، ثم قال بعد ذلك: طوبى لابن عمر سُئِل عن شيء ولا يدري فقال: لا أدري.


(*) الراجح: قول الصاحبين.
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثالثة.

<<  <  ج: ص:  >  >>