للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

العِنَبُ وَالرُّطَبُ وَالرُّمَّانُ فَهُمَا يَقُولَانِ: إِنَّ مَعنَى التَّفَكَّهِ مَوجُودٌ فِيهَا، فَإِنَّهَا أَعَزُّ الفَوَاكِهِ وَالتَّنَعمُ بِهَا يَفُوقُ التَّنْعَمَ بِغَيْرِهَا، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِمَّا يُتَغَذَّى بِهَا وَيُتَدَاوَى بِهَا فَأَوجَبَ قُصُورًا فِي مَعنَى التَّفَكُّهِ لِلِاسْتِعْمَالِ فِي حَاجَةِ البَقَاءِ، وَلِهَذَا كَانَ الْيَابِسُ مِنهَا مِنْ التَّوَابِلِ أَوْ مِنْ الأَقوَاتِ.

قال: (وَلَو حَلَفَ لَا يَأْتَدِمُ فَكُلُّ شَيْء أَصْطُبغَ بِهِ فَهُوَ إِدَامٌ، وَالشَّوَاءُ لَيْسَ بِإِدَام،

العرف يدخل في اليمين، وما لا فلا.

قوله: (ومعنى التفكه موجود فيه) ا؛ أي: في العنب، والرطب، والرمان، وهي (أعز الفواكه) وأكملها، ومطلق الاسم يتناول الكامل، ولهذا فردت بالذكر في القرآن تخصيصا كما عطف [جبريل] (١) وميكائيل على الملائكة تعظيما لهما.

لأبي حنيفة أن هذه الأشياء مما تتعدى؛ فإن الرطب والعنب يؤكلان غذاءً ويتعلق بهما البقاء، وفي بعض المواضع يكتفون بهما للغذاء، والرمان يؤكل للتداوي فيتحقق القصور في معنى التفكه فلا يتناولهما مطلق اسم التفكه.

ألا ترى أن يابس هذه الأشياء لا يُعد من الفواكه، فالزبيب والتمر من الأقوات، وحب الرمان من التوابل، ولأنه قال تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلُ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿ … وَقَضَبًا﴾ ﴿وَفَاكِهَةٌ﴾ [عبس: ٢٨ - ٣١] فعطف الفاكهة عليها مرة، وعطفها على الفاكهة أخرى، والشيء لا يعطف على نفسه، مع أنه مذكور في موضع المنة، ولا يليق بالحكيم ذكر الشيء الواحد في موضع المنة بلفظين.

قوله: (اصطبغ به فهو إدام)، كالخل والزيت، والعسل، والزبد، واللبن، والملح، والمرق، ولفظ اصطبغ -بضم الطاء- على بناء المفعول، هكذا المنقول، والاصطباغ بأن (خورش كرفتين)، وتعدى بالباء.

وفي المغرب: الصبغ ما يصبغ به، ومنه الصبغ من الإدام؛ لأن الخبز يغمس [فيه] (٢) ويلون به كالخل والزيت، ويقال: اصطبغ بالخل وفي الخل، ولا


(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) في الأصل: (به)، والمثبت من النسخة الثانية، والثالثة.

<<  <  ج: ص:  >  >>