للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لِأَنَّهُ يُسَمَّى لَحْمًا فِي القُرآنِ. وَجهُ الاستحسَانِ: أَنَّ التَّسْمِيَةَ مَجَازِيَّةٌ، لِأَنَّ اللَّحْمَ مَنشَؤُهُ مِنْ الدَّمِ وَلَا دَمَ فِيهِ لِسُكُونِهِ فِي المَاءِ (وَإِنْ أَكَلَ لَحْمَ خِنْزِير أَوْ لَحمَ إِنسَان يَحنَثُ) لِأَنَّهُ لَحْمٌ حَقِيقِيٌّ، إِلَّا أَنَّهُ حَرَامٌ. وَاليَمِينُ قَدْ تُعقَدُ لِلمَنعِ مِنْ الحَرَامِ (وَكَذَا إِذَا

(لأنه يسمى لحما في القرآن)، قال تعالى: ﴿لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤]، والمراد لحم السمك بالإجماع.

وقلنا: تسميته لحما مجاز؛ لأن اللحم ينشأ من الدم، ولحمه لا ينشأ من الدم؛ إذ الدموي لا يسكن الماء؛ ولهذه يباح بلا زكاة، ولو كان له دم لما أبيح، ومطلق اسم اللحم يتناول الكامل لا القاصر، فخرج عن مطلقه بدلالة اللفظ، ومبنى الأيمان على العُرف لا على [ألفاظ] (١) القرآن كما بينا؛ ولهذا لو حلف لا يركب دابة فركب كافرًا لا يحنث بالإجماع وإن سماه في القرآن دابة، والعرف معنا فإنه لا يسمى بائعه لحامًا، ولا يستعمل استعمال اللحوم في المباحات إلا أن ينوي فحينئذ يعتبر؛ لأنه لحم من وجه وفيه تشديد عليه، والمسألة مستقصاة في الأصول.

قوله: (وإن أكل لحم خنزير أو لحم إنسان يحنث)، وبه قال الشافعي في وجه، وأحمد ومالك؛ لأنه لحم حقيقة وإن كان حرامًا كالمغصوبة، ولا يقال: الكفارة فيها معنى العبادة فكيف تجب بالحرام المحض؟ لأنا نقول: الحل والحرمة تراعى في السبب لا في الشرط، وسبب وجوب الكفارة اليمين لا الحنث، وإنما لا يجوز به التكفير قبل الحنث ليكون اليمين موصوفا بالإباحة والحظر، وأصل اليمين مباح والحنث حرام، كذا قيل.

وقال الشافعي في وجه: لا يحنث، وبه قال أشهب المالكي؛ لأن اليمين يقع على المعتاد، وهكذا قال الزاهد العتابي من أصحابنا فلا يحنث، وعليه الفتوى ذكره في الكافي، ولو أكل كبدًا أو كرشًا أو طحالا أو رئة يحنث أيضًا، وبه قال الشافعي في وجه وقال في الأصح: لا يحنث، وبه قال أحمد؛ لأن هذه الأشياء تفرد باسم آخر فلا تسمى لحمًا عرفًا إلا أن ينوي فيحنث؛ لأن فيه


(١) في الأصل: (اللفظ)، والمثبت من النسخة الثانية، والثالثة.

<<  <  ج: ص:  >  >>