للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فَيَكُونُ آكِلُهُ آكِلَ البُسْرِ وَالرُّطَبِ، وَكُلُّ وَاحِد مَقصُودٌ فِي الأَكلِ بِخِلَافِ الشَّرَاءِ، لِأَنَّهُ يُصَادِفُ الجُملَةَ فَيَتَبَعُ القَلِيلُ فِيهِ الكَثِيرَ. وَلَو حَلَفَ لَا يَشتَرِي رُطَبًا، فَاشْتَرَى كِبَاسَةَ بسر فِيهَا رُطَبٌ لَا يَحنَثُ لِأَنَّ الشَّرَاءَ يُصَادِفُ الجُملَةَ وَالمَعْلُوبَ تَابِعٌ (وَلَو كَانَتْ اليَمِينُ عَلَى الأَكلِ يَحنَثُ) لِأَنَّ الأَكلَ يُصَادِقُهُ شَيْئًا فَشَيئًا، فَكَانَ كُلُّ مِنْهُمَا مَقصُودًا، وَصَارَ كَمَا إِذَا حَلَفَ لَا يَشْتَرِي شَعِيرًا أَوْ لَا يَأْكُلُهُ، فَاشْتَرَى حِنطَة فِيهَا حَبَّاتُ شَعِير وَأَكَلَهَا، يَحنَثُ فِي الأَكلِ دُونَ الشَّرَاءِ لِمَا قُلْنَا.

وغيرها، وفي عامة نسخ الهداية قول محمد مع أبي يوسف، وفي النهاية: والله أعلم بصحته.

وفي الكافي: هكذا ذكر في الهداية، ولكن النسخ المعتبرة تشهد بأنه مع أبي حنيفة، وبقولهما قال الشافعي وأحمد، وبقول أبي يوسف قال الإِصْطَخْرِي وأبو علي من أصحاب الشافعي.

فالحاصل أن أبا يوسف اعتبر الغالب؛ إذ المغلوب في مقابلته كالمعدوم عُرفًا؛ لأن عامة رطب يسمى رطبًا عُرفًا لا بسرًا، وكذا العكس وشرعًا؛ إذ العبرة للغالب في الأحكام الشرعية كما في الرضاع وغيره، وكما لو حلف لا يشتري رطبا فاشترى بسرا مذنبا لا يحنث.

قوله: (فيكون أكله)؛ أي: أكل المُذَنّب كأكل البسر أو الرطب وهو المحلوف؛ لأنه أكل المحلوف عليه وزيادة فيحنث؛ ولهذا لو ميزه وأكله يحنث بالإجماع، فكذا إذا أكله مع غيره.

فإن قيل: لو حلف لا يشرب هذا اللبن فصب فيه ماء - والماء غالب - فشرب لا يحنث وإن شرب المحلوف مع زيادة.

قلنا: اللبن بانصباب الماء يشيع ويميع في جميع أجزاء الماء فيصير مستهلكا حتى لا يُرَى مكانه، وههنا يُرَى مكانه فكان قائما زمان التناول.

فإن قيل: الحنث يكون بالمضغ والابتلاع، وعند ذلك يصير مستهلكا ولا يرى مكانه؛ ألا ترى أنه لو حلف لا يأكل حنطة فأكل شعيرا فيها حبات حنطة إن أكل حبة حبة حنث، وإن جمع بين الحبات من النوعين في الأكل لا يحنث؛ لأنها تصير مستهلكة عنده.

<<  <  ج: ص:  >  >>