للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الحُرمَةِ، وَقَدْ أَمْكَنَ إِعْمَالُهُ بِثُبُوتِ الحُرمَةِ لِغَيْرِهِ بِإِثْبَاتِ مُوجِبِ اليَمِينِ فَيُصَارُ إِلَيْهِ، ثُمَّ إِذَا فَعَلَ مِمَّا حَرَّمَهُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا حَيْثَ وَوَجَبَت الكَفَّارَةُ، وَهُوَ المَعْنَى مِنَ الاسْتِبَاحَةِ المَذْكُورَةِ، لِأَنَّ التَّحْرِيمَ إِذَا ثَبَتَ تَنَاوَلَ كُلَّ جُزء مِنهُ.

الحلال الذي ثبت بالدليل القطعي حرامًا يكفر.

ولنا قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢] أي قدر، وبقولنا قال أحمد.

قيل: سبب نزوله أنه حرَّم العسل على نفسه (١)، وفي بعض الروايات قال: والله لا أذوقه، وقيل: حرَّم مارية القبطية على نفسه (٢).

فوجه التمسك على الأول ظاهر، وكذا على التأويل الثاني وهو الصحيح بدليل قوله: ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١] وليس في ترك شرب العسل مرضات أزواجه؛ لأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، ولأن التحريم المضاف إلى الجواري لما ثبت يمينًا فكذا التحريم المضاف إلى سائر المباحات؛ لأن حرمة الحلال سبب اليمين والتنصيص عليه يجعل كالتنصيص على السبب مجازا وهذا؛ لأن لفظه يقتضي ثبوت الحرمة ولم يمكن إثبات الحرمة لعينه؛ لأنه ليس إلى العبد تحريم عينه فتثبت (الحرمة لغيره) كما هو موجب اليمين، فإنه إذا حلف لا يدخل هذه الدار حَرُم الدخول من حيث إنه حنث، وإن كان الدخول مباحًا في نفسه، فإذا قال: حلال الله علي حرام؛ لم يمكن إثبات الحرمة لعينه؛ فصار كناية على قدر ما جعل إليه من التحريم باليمين كي لا يلغو كلامه، وهذا معنى قول المصنف: (وقد أمكن إعماله … ) إلى آخره.

وتلزمه الكفارة (إذا فعل مما حرمه قليلًا أو كثيرًا)؛ لأن التحريم إذا ثبت تناول كل جزء منه.

فإن قيل: إنه حرَّم وحلف أيضًا كما روي في بعض الروايات فكيف يستقيم الاستدلال؟


(١) أخرجه البخاري (٧/٤٤ رقم ٥٢٦٧) ومسلم (٢/ ١١٠٠ رقم ١٤٧٤) من حديث عائشة .
(٢) أخرجه الطبري في التفسير (٢٣/ ٨٨) من حديث ابن عباس .

<<  <  ج: ص:  >  >>