والفرات، فجواز البول في البحار أولى، وأحرى، ولو قدر أنَّ هذا تخصيص لعموم كلامه فلا يستريب عاقل أنَّه أولى من تخصيصه بالقلتين، أو ما لا يمكن نزحه، أو ما لا يمكن تبلغ الحركة طرفيه، لأنَّ المفسدة المنهي عن البول لأجلها لا تزول في هذه المياه بخلاف ماء البحر فإنَّه لا مفسدة في البول فيه،
وصار هذا بمنزلة نهيه عن التخلي في الظل، وبوله في ظل الشجرتين، واستتاره بجذم الحائط، فإنَّه نهى عن التخلي في الظل النافع، وتخلى مستتراً بالشجرتين، والحائط حيث لم ينتفع أحد بظلهما، فلم يفسد ذلك الظل على أحد.
وبهذا الطريق يعلم: أنَّه إذا كان قد نهى عن البول في الماء الدائم مع أنَّه قد يحتاج إليه، فلأن ينهي عن البول في إناء ثم يصبه فيه بطريق الأولى، ولا يستريب في هذا من علم حكمة الشريعة، وما اشتملت عليه من مصالح العباد ونصائحهم، ودع الظاهرية البحتة، فإنَّها تقسي القلوب، وتحجبها عن رؤية محاسن الشريعة، وبهجتها، وما أودعته من الحكم، والمصالح، والعدل، والرحمة.
وهذه الطريق التي جاءتك عفواً تنظر إليها نظر متكئ على أريكته قد تقطعت في مفاوزها أعناق المطي، لا يسلكها في العالم إلاَّ الفرد بعد الفرد، ولا يعرف مقدارها من أفرحت قلبه الأقوال المختلفة، والاحتمالات المتعددة، والتقديرات المستبعدة.
فإن علت همته جعل مذهبه عرضة للأحاديث النبوية، وخدمه بها، وجعله أصلاً محكماً يرد إليه متشابهها، فما وافقه منها قبله، وما خالفه تكلف له وجوها بالرد غير الجميل، فما أتعبه من شقي، وما أقل فائدته. ومما يفسد قول المحددين