فإن قلت: أليس من الأصول المستقرة أنَّ زيادة العدل مقبولة؟ وأنَّ الحكم لمن رفع لا لمن وقف لأنَّه زائد؟.
قلت: هذا عندنا حق مع تكافؤ المحدثين المخبرين وتعادلهم وأمَّا مع زيادة عدد من لم يزد فقد اختلف فيه أولونا. وفيه نظر.
وأيضاً فإنَّما ذاك إذا لم تتصادم الروايتان وتتعارضا وأمَّا متى تعارضتا يسقط رواية الأقل بلا ريب وها هنا المروي ليس هو مقابلاً بكون النبي ﷺ قد قالها ثم قالها صاحبه تارة. تارة ذاكراً وتارة آثراً وإنَّما هو حكاية حال وقضية عين في رجل استفتى على صورة وحروف مأثورة فالناس ذكروا أنَّ المستفتي ابن عباس وهذه الرواية ترفعه إلى النبي ﷺ وليست القضية إلَّا واحدة إذ لو تعددت القضية لما أهمل الثقات الأثبات ذلك على ما يعرف من اهتمامهم بمثل ذلك. وأيضاً فأهل نقد الحديث والمعرفة به أقعد بذلك وليسوا يشكون في أنَّ هذه الرواية وهم.
الدليل الرابع: أنَّ الأصل في الأعيان الطهارة فيجب القضاء بطهارته حتى يجيئنا ما يوجب القول بأنَّه نجس وقد بحثنا وسبرنا فلم نجد لذلك أصلاً فعلم أنَّ كل ما لا يمكن الاحتراز عن ملابسته معفو عنه ومعلوم أنَّ المني يصيب أبدان الناس وثيابهم وفرشهم بغير اختيارهم أكثر مما يلغ الهر في آنيتهم فهو طواف الفضلات بل قد يتمكن الإنسان من الاحتراز من البصاق والمخاط المصيب ثيابه ولا يقدر على الاحتراز من مني الاحتلام والجماع وهذه المشقة الظاهرة توجب طهارته ولو كان المقتضي للتنجيس قائماً.