وهذا العمل إلى زماننا متصل في جميع البلاد لكن لم نحتج بإجماع الأعصار التي ظهر فيها هذا الخلاف؛ لئلا يقول المخالف أنا أخالف في هذا وإنما احتججنا بالإجماع قبل ظهور الخلاف.
وهذا الإجماع من جنس الإجماع على كونهم كانوا يأكلون الحنطة ويلبسون الثياب ويسكنون البناء فإنا نتيقن أن الأرض كانت تزرع ونتيقن أنهم كانوا يأكلون ذلك الحب ويقرون على أكله ونتيقن أن الحب لا يداس إلا بالدواب ونتيقن أن لا بد أن تبول على البيدر الذي يبقى أياما ويطول دياسها له وهذه كلها مقدمات يقينية.
الوجه الثاني عشر وهو الخامس عشر: أنَّ الله تعالى قال: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ [الحج: ٢٦] فأمر بتطهير بيته الذي هو المسجد الحرام وصح عنه ﷺ أنَّه أمر بتنظيف المساجد وقال: "جعلت لي كل أرض طيبة مسجداً وطهوراً"، وقال:"الطواف بالبيت صلاة" ومعلوم قطعاً أنَّ الحمام لم يزل ملازماً للمسجد الحرام لأمنه وعبادة بيت الله وأنَّه لا يزال ذرقه ينزل في المسجد وفي المطاف والمصلى. فلو كان نجساً لتنجس المسجد بذلك ولوجب تطهير المسجد منه: إمَّا بإبعاد الحمام، أو بتطهير المسجد، أو بتسقيف المسجد ولم تصح الصلاة في أفضل المساجد وأمها وسيدها لنجاسة أرضه وهذا كله مما يعلم فساده يقيناً. ولا بد من أحد قولين: إما طهارته مطلقاً، أو العفو عنه. كما في الدليل قبله وقد بينا رجحان القول بالطهارة المطلقة.