قوله:(ولأن اليمين حجة للدفع) إلى آخره، قد بينا في الدعوى أن اليمين ليست بحجة صالحة لاستحقاق فلس، فكيف تصلح حجة صالحة لاستحقاق نفس محترمة؟ خصوصًا في موضع يتبين بأن الحالف مجازف بحلف ما لم يعاينه بأمر محتمل، وهو اللوث، وإنما شرعت اليمين لإبقاء ما كان على ما كان، فلا يستحق بها ما لم يكن مستحقا.
وأما رواية «أتحلفونَ وتَسْتَحِقُونَ دَمَ صَاحِبِكُم؟» لا تكاد تصح هذه الرواية. وقد قال جماعة من أهل الحديث: أوهم سهل بن حثمة ما قال: «أتحلِفونَ وتَستَحقُونَ دَمَ صاحِبِكُم؟» ولو ثبت فإنما قال على سبيل الاستفهام لا على طريق الحكم والأمر لهم بذلك، يعني أو تستحقون دم صاحبكم؛ لأنه معطوف على الأول فشاركه في الاستفهام؛ إذ لو كان على سبيل الحكم لقال: أتحلفون فتستحقون دم صاحبكم؟. كما يقال: أتدخل الدار فتبصر الأمر؟ بالنصب، أريد به التعليق بالحكم، وإذا أريد به الاستفهام قيل: أتدخل الدار وتجلس فيها؟ بالرفع أي: تجلس فيها بعد الدخول.
والاستفهام استحقار (١) عن فعله، أتفعله أم لا؟ وليس ببيان أنه يجوز له ذلك، أو هو محمول على الاستفهام بطريق الإنكار، كقوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذِّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦]، فكذلك قوله أتحلفون معناه لا تحلفون، كقوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال: ٦٧] معناه أتريدون، وكأنه ﷺ رأى منهم الرغبة في حكم الجاهلية حين أبوا أيمان اليهود بقولهم: لا نرضى بمن قوم كفار، فقال ذلك على سبيل الزجر، فلما عرفوا كراهيته ﷺ لذلك رغبوا عنه بقولهم: كيف نحلف على أمر لم نعاين ولم نشاهد؟ كذا في المبسوط والأسرار.
وقد روى الطحاوي عن الزهري «أنه ﷺ قضى بالقسامة على المدعى عليهم» وإنما أخذ القسامة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار عن أناس من أصحاب النبي ﷺ، وكان هذا مما أخذه، وقد وافق ذلك ما