للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا، وَيَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الدِّيَةُ فِي السِّنِّ كُلِّهِ (وَلَوْ قَالَ: اقْطَعَ المِفْصَلَ وَاتْرُكْ مَا يَبِسَ، أَوْ اكْسِرِ القَدْرَ المَكْسُورَ وَاتْرُكِ البَاقِيَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) لِأَنَّ الفِعْلَ فِي نَفْسِهِ مَا وَقَعَ مُوجِبًا لِلْقَوَدِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ شَجَّهُ مُنَقِّلَةٌ فَقَالَ: أَشُجُّهُ مُوضِحَةٌ وأَتْرُكُ الزِّيَادَةَ. لَهُمَا فِي الخِلَافِيَّةِ: أَنَّ الفِعْلَ فِي مَحَلَّيْنِ، فَيَكُونُ جِنَايَتَيْنِ مُبْتَدَأَتَيْنِ، فَالشَّبْهَةُ فِي إِحْدَاهُمَا لَا تَتَعَدَّى إِلَى الأُخْرَى، كَمَنْ رَمَى إِلَى رَجُلٍ عَمْدًا، فَأَصَابَهُ، وَنَفَذَ مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ فَقَتَلَهُ، يَجِبُ القَوَدُ فِي الأَوَّلِ، وَالدِّيَةُ فِي الثَّانِي.

قوله: (وينبغي أن تجب الدية في السن كله) وبه قال مالك، وأحمد في رواية، والشافعي في قول، [وأكثر] (١) أهل العلم.

وفي الفوائد الشاهية، والجامع الحسامية: وينبغي أن تجب حكومة العدل في السن كله. وهذه رواية مخالفة لرواية الكتاب، وبه قال أحمد في رواية، والشافعي في قول إن لم يذهب نفعها، وهو المختار عند أصحاب الشافعي.

قوله: (لهما في الخلافية)؛ وهو ما إذا شج موضحة فذهبت عيناه.

(أن الفعل في محلين)؛ يعني: الجناية إذا وقعت في محلين متباينين حقيقة، فوجوب المال في أحدهما؛ لا يمنع وجود القود في الآخر، وهو قول الأئمة الثلاثة أيضًا. ومتى وقعت على محل واحد، وأتلفت شيئين: أحدهما يوجب القود، والآخر يوجب المال؛ يجب المال بلا خلاف من أصحابنا، خلافا للأئمة الثلاثة، فهما يقولان: وقعت الجناية على محلين متباينين؛ إذ بينهما حائل، وأخذ حكم فعلين كل واحد منهما مبتدأ، فلم تبعد الشبهة من أحدهما إلى الآخر، كما لو رمى سهما إلى إنسان فنفذ منه إلى الآخر؛ يجب القود في الأول، والدية في الثاني.

وكمن قطع إصبعًا فاضطربت السكين، فأصابت إصبعًا أخرى خطأ منه؛ فإنه يقتص في الأولى بالإجماع دون الثانية. بخلاف السن إذا اسود ما بقي منها، أو الإصبع إذا شُلَّ ما بقي منها، وشلت اليد كلها؛ لاتحاد المحل؛ لأن ذلك بمنزلة شيء واحد.


(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثالثة.

<<  <  ج: ص:  >  >>