صلاحية الغذاء لا للكرامة، واستحباب الطبع يوجب النجاسة على ما مر، وقد ترجحت جهة هذه الحرمة في الحمار حتى لم يبق مأكولا بوجه فتتغلظ نجاسة بوله كبول الكلب.
أما حرمة لحم الفرس لا تدل على نجاسة لحمه؛ لأنه ثبت بالدليل أن الحرمة فيه للتنزه عن قطع مادة الجهاد لا لمعنى في اللحم، فكانت مثل حرمة مال الغير، فيبقى اللحم طاهرًا فيكون بوله كبول مأكول اللحم، ولا يلزم عليه الآدمي فإن حرمته لكرامته، وبوله مغلظ؛ لأن كرامته ثبتت بأصل الخلقة لا تعارض؛ فإنه خلق مكرما فلم يكن في حكم الانفصال بوجه، فلا يمكن إلحاقه بمأكول اللحم؛ لأن ذلك مستلزم إهانته النافية لتكريمه، ولهذا لم يحل قتله للاضطرار، ولا أكل لحم الميت عند المخمصية.
فأما كرامة الفرس في حكم الانفصال لأنها ثبتت بعارض شرعية الجهاد، ولهذا حل ميتته عند المخمصة (١)، وقتله عن الاضطرار، فيمكن إلحاقه بمأكول اللحم، كذا قرره شيخي ﵀.
فإن قيل: تعارض الآثار إنما يتحقق إذا جهل التاريخ، وقد قيل إن في حديث العرنيين دلالة التقديم لأن فيه المثلة وهي منسوخة.
قلنا: الدلالة دون العبارة، وفي عبارته تعارض، وفيه تأمل.
أو نقول: انتساخ المثلة لا يدل على انتساخ طهارة بول ما يؤكل لحمه، كما في صوم يوم عاشوراء، وتكرار صلاة الجنازة على حمزة على قول الشافعي، وفيه تأمل؛ لأن نسخ المثلة دلالة تقديم، وانتساخها بعموم قوله ﵇:«اسْتَنزهوا من البول» كما ذكره في الأصول.
وفي الخبازية: إنما قال أبو حنيفة بنسخ حديث العرنيين بغالب الرأي
(*) الراجح: قول أبي حنيفة وأبي يوسف. (١) في الأصل: (عندها)، والمثبت من النسخة الثانية.