وعند الشافعي لو كانت النجاسة عذرة وجب إزالتها، ثم غسل موضعها، ولو كانت بولا يصب عليها ذنوب من ماء ويكون ذلك طهارة لها (١)، وقال الإِصْطَخْرِي من أصحابه: يجب في بول الأنثى ذنوبان، والمذهب الأول لما روي أن أعرابيًا بال في مسجد رسول الله ﷺ فأمر أن يصب عليه ذنوب من ماء (٢).
وقلنا: إنما أمر بالصب لأنه كان مفروشا بالحصى كما هو العادة في تلك الديار، فبالصب نزلت النجاسة إلى القرار وطهر ظاهر الحصى للصلاة، أما إذا كانت الأرض صلبة فلا يزيدها الماء إلا نجاسة؛ لأن أجزاءها تنبسط بصب الماء عليه، ولأنه جاء فيه الحفر والصب فيحتمل أن يكون الصب إزالة النتن.
ثم في قوله:(جازت الصلاة على مكانها)، يشير إلى أنه لا يجوز التيمم به، وهو ظاهر الرواية، وروى ابن كاس النخعي عن أصحابنا أنه يجوز به التيمم؛ لأنه حكم بطهارته، كذا في المبسوط (٣).
وفي الأسرار والحديث المذكور موقوف على عائشة، والذي روي عنه ﵇:«أيما أرضِ جَفَّت فقَدْ ذَكَتْ»، وروى أبو داود، وابن خزيمة في صحيحهما عن ابن عمر أنه قال: كنت فتى عزبًا أي شابا أبيت في المسجد، وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر فيه، فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك (٤)، فدل على أن الشمس إذا أشرقت على الأرض النجسة حتى ذهب أثر النجاسة تطهر. وما قال الخطابي في تأويل هذا الحديث: الصحيح أن الكلاب كانت تبول في مواطنها ثم تقبل وتدبر في المسجد، غير صحيح، صدر من التعصب لأنه
(١) انظر: الأم للشافعي (١/ ٧٠). (٢) أخرجه البخاري (١/ ٥٤، رقم ٢٢٠) من حديث أبي هريرة ﵁. (٣) المبسوط للسرخسي (١/ ١١٩). (٤) أخرجه أبو داود (١/ ١٠٤، رقم ٣٨٢)، وابن حبان (٤/ ٥٣٧، رقم ١٦٥٦)، وأحمد (٢/ ٧٠، رقم ٥٣٨٩). وأخرجه البخاري (١/٤٥، رقم ١٧٤) معلقا.