للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كَمَا هُوَ دَابُهُ (*). وَقِيلَ: يُؤْخَذُ بِقَوْلِ رَجُلَيْنِ لَهُمَا بَصَارَةٌ فِي أَمْرِ المَاءِ، وَهَذَا أَشْبَهُ بالفقه.

فقد غلب عليهم الماء هو المختار.

(كما هو دأبه)، أي دأب أبي حنيفة فإنه لا يقول المقادير بالرأي والاجتهاد كما في حبس الغريم، وحد التقادم، وانقطاع حق الحضانة.

فإن قيل: أنه قدر مدة البلوغ بثماني عشر، وسبعة عشرة سنة، وقدر في دفع المال إلى من لم يؤنس منه رشد بخمس وعشرين سنة بالرأي، وكذا مدة موت الفأرة الواقعة في البئر بيوم وليلة، ومدة تفسخها بثلاثة أيام بالرأي.

قال شمس الأئمة: أردنا بقولنا المقادير لا تعرف بالرأي المقادير التي ثبتت بحق الله تعالى ابتداءً دون المقادير التي فيها يتردّد بين القليل والكثير، والصغير والكبير، وما نحن فيه من قبيل ما يتردد بينهما فكيف يستقيم ما ذكرتم من التعليل؟

قلنا: إنما قدر أبو حنيفة ما يتردّد بينهما بالرأي إذا لم يمكن معرفة ذلك بالرجوع إلى أحوال الناس في الاستقلال والاستكثار، أما إذا أمكن فلا كما فيما نحن بصدده، كذا في الفوائد.

(وهذا أشبه بالفقه)، أي بالمعنى المستنبط من الكتاب والسنة، وهذا كذلك حيث اعتبر الله تعالى قول رجلين عدلين في قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءُ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، واشترطت البصارة لأن الأحكام تستفاد ممن له علم بها كما في قيم الأشياء تصار إلى من له بصارة.

وفي جامع الكردري والمختار ما روي عن محمد بن سلام أنه قال: يؤتى برجلين لهما بصارة في تقدير الماء فينزح منها ما حكما حتى يتحققوا (١).

التحقق درست شدن و درست دانستين لازم ثم القياس ما قالا؛ لأن


(*) الراجح: قول محمد.
(١) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٨٦)، والمحيط البرهاني لابن مازة (١/ ١٠٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>