والوضوء منه الاحتراز عن قول مالك فإنه يقول: يطهر ظاهره دون باطنه، فيصلي عليه لا فيه، ويستعمل في اليابس دون الرطب (١)، أو التأكيد بطهارته والرد على من لا يقول بطهارة الجلد المدبوغ.
قوله:(إلا جلد الخنزير)، قدَّمه على الآدمي وإن كان حقه التأخر لشرف الآدمي لما أن هذا الموضع موضع إهانة؛ لأنه في بيان النجاسة، كما قدمت الصوامع في قوله تعالى: ﴿هُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ [الحج: ٤٠] الآية.
قوله: (" أَيُّمَا إِهَاب ") الحديث رواه الخمسة غير البخاري، أي يكره يراد به جزء ما يضاف إليه، وقد وصفت بصفة عامة فيتعمم.
فإن قيل: قد خص منه جلد الخنزير والآدمي بالإجماع، فيجوز أن يخص منه جلد الميتة بالقياس عليه، أو بقوله ﵇:«لا تنتفعوا بإهاب ولا عَصَب».
قلنا: هذا لا يعارض عموم الحديث؛ لأن الإهاب اسم لغير المدبوغ، ذكره في المغرب (٢)، وكذا قال الأصمعي.
وفي الفائق: سمّي إهابًا لأنه أهبة للحي، وبناء للحماية له على جسدها، كما يقال المسك لإمساكه ما وراءه (٣)، فإذا دبغ يسمى أديما، وجربا أو جرابا، وحينئذ لا تعارض بين الحديثين، ولا يجوز القياس لأن الخنزير عينه نجس بالنص كما يجيء، وغلى الشافعي في جلد الكلب (٤).
(١) انظر: المدونة لابن القاسم (١/ ١٨٣)، والكافي في فقه أهل المدينة لابن عبد البر (١/ ١٦٣)، وعنده: وكان مالك يكره الوضوء في إناء جلد الميتة بعد الدباغ على اختلاف من قوله، ومرة قال: إنه لم يكرهه إلا في خاصة نفسه ويكره الصلاة عليه وبيعه، وتابعه على ذلك جماعة من أصحابه، وأما أكثر المدنيين فعلى إباحة ذلك وإجازته. (٢) انظر: المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٣١). (٣) انظر: الفائق في غريب الحديث والأثر للزمخشري (١/ ٦٧). (٤) انظر: الأم للشافعي (١/٢٢)، وفيه: فيتوضأ في جلود الميتة كلها إذا دُبِغَت، وجلود ما لا يؤكل لحمه من السباع قياسًا عليها إلا جلد الكلب والخنزير فإنه لا يطهر بالدباغ؛ لأن النجاسة فيهما وهما حيان قائمة، وإنما يطهر بالدباغ ما لم يكن نجسا حيا.