واستدل المشايخ على هذا بمسألة الجنب إذا انغمس في البئر لطلب الدلو، فعند محمد الرجل طاهر، والماء طاهر؛ لأن زوال الجنابة لا تتوقف على النية فيطهر منها نوى أو لم ينو، والماء لا يصير مستعملا لعدم القربة، وعند أبي يوسف الماء بحاله والرجل بحاله؛ لأنا لو قلنا بطهارة الرجل يصير الماء مستعملا، ومتى قلنا بنجاسة الماء يتعذر طهارة الرجل؛ لأنه لا يتصور أن يخرج طاهرا من ماء نجس، ومتى قلنا بنجاسة الرجل لا يصير الماء مستعملا فيدور هكذا إلى ما لا يتناهى، وسهم الدور ساقط.
فقلنا: الرجل بحاله والماء بحاله، وعند أبي حنيفة ﵀ الماء والرجل نجسان كما ذكر في المتن وبعض أصحابنا أنكروا هذا الخلاف وقالوا: لا خلاف بين الثلاثة أن الماء يصير مستعملا بإزالة الحدث، وإنما لم يقل محمد في الجنب المنغمس أنه يصير مستعملا للضرورة، كما لم يقل في الجنب إذا أدخل يده في الإناء للاغتراف أو المحدث للضرورة، حتى لو أدخل رأسه أو رجله يصير مستعملا لعدم الضرورة (١).
قوله:(بانتقال نجاسة الآثام)، والإثم نجس لقوله ﵇:«من أصابَ من هذه القاذورات فَلْيَستَتِرْ بسَترِ اللهِ تَعالى»(٢)، ولأنه شعبة من الكفر وهو أقوى من النجاسات والآثام يزال بالقرب، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وقال ﵇:«أتبع السيئة الحسنة تمحها»(٣)، وجاء في الخبر:«من غسل وجهه تناثرت خطاياه مع آخر قطر الماء»(٤)، إسقاط
(*) الراجح: قول الشيخين. (١) انظر: المبسوط لمحمد بن الحسن (١/ ٨٣)، والمبسوط للسرخسي (١/ ٥٣). (٢) أخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٨٢٥، رقم ١٢) من حديث زيد بن أسلم مرسلًا. (٣) أخرجه الترمذي (٣/ ٤٢٣، رقم ١٩٨٧)، والدارمي (٣/ ١٨٣٧، رقم ٢٨٣٣)، وأحمد (٥/ ١٥٣) رقم (٢١٣٩٢)، والحاكم (١/ ٥٤، رقم ١٧٨) من حديث أبي ذر الغفاري ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. (٤) أخرجه مسلم (١/ ٢١٥، رقم ٢٤٤) من حديث أبي هريرة ﵁.