للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللهُ، هُمَا يَقُولَانِ: إِنَّ الطَّهُورَ مَا يُطَهِّرُ غَيْرَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى كَالقَطُوع.

وَقَالَ زُفَرُ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَي الشَّافِعِيِّ : إِنْ كَانَ المُسْتَعْمِلُ مُتَوَضِّئًا فَهُوَ

حنيفة أنه نجس نجاسة غليظة. وروى عنه أنه نجس نجاسة خفيفة وبه أخذ أبو يوسف.

الطهور ما يطهر غيره مرة بعد أخرى كالقطوع، وفي الكافي: هذا غير مثبت في القوانين.

وقال صاحب الكشاف، وصاحب المغرب: الطهور مبالغة في الطاهر (١). وما حكى عن ثعلب أنه ما كان طاهرًا في نفسه مطهرا لغيره، إن كان هذا زيادة بيان لنهايته في الطهارة كان شديدًا، ويعضده قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُمْ﴾ [الأنفال: ١١]، وإلا فليس فعول من التفعيل في شيء، وقياسه على ما هو مشتق من الأفعال المتعدية كقطوع غير سديد.

وسمعت عن شيخي إذا كان الطهور مبالغة في الطاهر ينبغي أن يكون مطهرًا لغيره، وإلا لا يبقى الفرق بين الطاهر والطهور، فحينئذ يصير متعديا على هذا التقدير فيكون للتكثير كالقطوع، وإليه أشار قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، وقال في موضع آخر: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]، ولم يتضح لي سر هذا الكلام.

وجه قول مالك أنه ماء طاهر لاقى محلًّا طاهرًا فكان طهورا كما كان، كماء غسل به ثوب طاهر، وجه قول محمد ما روى عن سعد بن أبي وقاص أنه مرض فتوضأ النبي وصب عليه الغسالة فأفاق، وكذا فعل في حق جابر، ولو كان نجسا لما استشفى به مع قوله: " إِنَّ اللهَ تَعَالَى لم يَجْعَلْ شفاءكم فيما حُرِّمَ عَلَيْكُم " (٢)، وروى البخاري: كان إذا توضأ


(١) انظر: تفسير الزمخشري الكشاف (٣/ ٢٨٤)، والمُغْرِب في ترتيب المُعْرَب للمطرزي (ص ٢٩٥).
(٢) أخرجه ابن حبان (٤/ ٢٣٣، رقم ١٣٩١) والبيهقي في السنن الكبرى (٥/١٠، رقم ٢٠١٧١) من حديث أم سلمة .

<<  <  ج: ص:  >  >>