للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَمَاؤُهَا كَانَ جَارِيًا فِي البَسَاتِينِ، … ... … ... … ... …

يلقى فيها ذلك في وقته، وإنما أشكل عليهم ما كان في الجاهلية هل يسقط اعتباره بتطهير البئر في الإسلام فأزال إشكالهم (١).

فإن قيل: هذا كلام مستقل بنفسه، وفي مثله العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، فكيف اختص الحديث بسببه وهو بئر بضاعة؟

قلنا: إنما لم يخص بسببه إذا لم يرد ما يخصصه في القوة، وقد ورد هاهنا وهو حديث المستيقظ، والأمر بغسل الإناء عن ولوغ الكلب، والنهي عن البول في الماء الدائم، وما ورد من الأحاديث في تنجس البئر بوقوع الحيوان فيها فيكون خصوصه بها لدفع التناقض، فكان هذا من باب الحمل.

فإن قيل: لما تبين أنه ورد في بئر بضاعة لا يستقيم التمسك بعمومه في أول الباب حيث أثبت طهارة المياه المذكورة بهذا الحديث.

قلنا: الحديث مشتمل على قضيتين: أحدهما: الماء الطهور، والثانية: لا ينجسه شيء، إلى آخره، فالتخصيص يلحق بالقضية الثانية دون الأولى لاختصاص الدلائل المخصصة بها، فتمسك المصنف في أول الباب بالقضية الأولى التي بقيت على العموم دون الثانية؛ إذ لا حاجة إليها هناك، وبين التخصيص في الثانية إذ النزاع وقع في هذا الحكم دون الأول، فكان تمسكه صحيحًا، وكان معنى الكلام جميع ما يسمى ماءً طهورًا، قليلًا كان أو كثيرًا لا ينجسه شيء إذا كان جاريًا، أو في حكمه إلا ما غير طعمه.

فإن قيل: الماء المذكور في أول الحديث عام لوجود اللام المستغرقة للجنس الموجبة للعموم، فالضمير الراجع إليه في تنجسه لو كان خاصا يلزم اختلاف المعنيين.

قلنا: ذاك جائز، فإن اللفظ إذا احتمل معنيين وأريد به أحدهما، ثم أريد بضميره محتمله الآخر جاز، ويسمى ذلك استخداما كما في قول


(١) المبسوط للسرخسي (١/ ٥٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>