للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

(وَالدَّابَّةُ تَخْرُجُ مِنْ الدُّبُرِ نَاقِضَةٌ، فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ رَأسِ الجُرْحِ، أَوْ سَقَطَ اللَّحْمُ لَا تَنْقُضُ) وَالمُرَادُ بِالدَّابَّةِ الدُّودَةُ، وَهَذَا لِأَنَّ النَّجَسَ مَا عَلَيْهَا،

الرواية، أو تأخره في السماع وإن تقدم هجرة، واعتبار احتمال التقدم في حديث طلق لاحتمال النسخ غير مستقيم؛ لأن حديثه غير قابل للنسخ لأنه صدر هذا الكلام على سبيل التعليل فإنه ذكر أن الذكر قطعة لحم فلا تأثير لمسه في الانتقاض، وهذا المعنى لا يقبل النسخ، كذا في شرح المصابيح (١).

ويحمل حديث أبي هريرة على الوضوء اللغوي وهو غسل اليدين، أو على الكناية لأنه يمكن أنه أطلق مس الذكر كناية عما يخرج من الذكر، وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها حيث يسكتون عن ذكر لفظ شيء ويرمزون عليه بذكر ما هو من روادفه، فينبهون بتلك الرمزة عن مكانه فيقولون: عالم يغترف الناس منه، فينبهون بالاغتراف على البحر؛ لأنه من لوازم وصف البحر، فكذلك مس الذكر يرادف خروج الحدث منه ويلازمه غالبًا عبر عنه وهو اللائق بمنصب الرسالة في حسن التعبير عن مثل هذه المقاصد بالكنايات المتعدية، ويصار إلى التأويل ليندفع التناقض بين الحديثين إذ الجمع بينهما عند الإمكان أولى من الطعن في أحدهما.

والجواب عن كلام مالك وأحمد رحمهما الله أن الاطلاع على خروج الناقض ممكن فلا بد أن الحكم على السبب لأن ذلك عند خفاء المسبب، وفيه تأمل.

قوله: (والمراد بالدابة) كذا، وفائدة التفسير: أن الدابة اسم لما يدب على الأرض لئلا يتوهم أن المراد هو الدواب التي تطير في الدبر كالذباب والبق ثم تخرج حيث لا ينقض.

قوله: (لأن النجس ما عليها)، فإن قيل: قد سبق أن ما لا يكون حدثًا لا يكون نجسا وهو صحيح، ثم قال هاهنا بنجاسة ما عليها وهو ليس بحدث في غير السبيلين وهذا تناقض.


(١) انظر: البحر الرائق لابن نجيم (١/٤٦).

<<  <  ج: ص:  >  >>