للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

جربًا، وتربأ أن تكلف حُبًّا، فعلق منها بحبالة نظره، وعشق في كفالة وطره، وكلمها فكلمته، وسلّم عليها فأسلمته، ثم لم يفز منها إلا بحسرة وأوار، أو نظرة على بعيد كما تنظر الأقمار. ولقد أدركت عصر حسان بن ثابت وهي صغيرة، فاسبق لها معه من ذلك الحكم ما لم يستطع أحد تغييره. وكانت الخنساء واحدة عصرها جمالًا يؤثر عن أوصافها، ودلالًا يقطر من أعطافها، وفيما قيل: إن جميع النساء الشواعر يظهر ضعفهن في أشعارهن إلا الخنساء فإنها لا تضعف كما يضعف غيرها [من] النساء؛ ومن قولها في رثاء صخر (١): [من البسيط]

وَإِنَّ صَخْرًا لَتَأتَمُّ الهُداةُ بِهِ … كَأَنَّهُ عَلَمٌ في رأسه نار (٢)

وإن صخرًا لوالينا وسيدنا … وإنّ صَخْرًا إذا نشتو لنحار (٣)

[وقولها (٤): [من الكامل]

جارى أباه فأَقْبَلا وهُمَا … يَتَعاوَرَانِ تقاذف الخصر (٥)

وهما كأنهما وقَدْ شخصا … صَقْرانِ قَدْ حَطًا إِلَى وَكْرِ

حتى إذا حمي الجرأ وقَدْ … لَزِّتْ هُناكَ العُذْرَ بالعُذر

وعلا هتافُ النّاسِ: أيهما؟ … قال المُجيب، هناك: لا أدري

بَرَزَتْ صَحِيفَةٌ وَجْهِ وَالِدِهِ … وَمَضَى عَلى غُلوائِهِ يَجْرِي (٦)

أولى فأولى أن يجاريه … لَوْلا جَلالُ السِّنِّ والكبر] (٧)

وقولها (٨): [من الوافر]

ولَوْلا كَثرَةُ الباكينَ حَوْلي … على إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي

وما يبكون مثل أخي ولكِنْ … أُعَزّي النفس عنه بالتأسي (٩)


(١) القصيدة في ديوانها ص ٤٧ - ٥٠ في ٣٦ بيتًا. والبيت الأول في المرقصات ٢٨.
(٢) تأتم به: تهتدي به. الهداة، واحدها هاد المرشد، المتقدم. كأنه علم في رأسه نار: مثل ضربته في شهرة أخيها، والعلم الجبل.
(٣) تصفه بالجود، أي ينحر للضيوف إذا نزل بالناس ضيق الشتاء.
(٤) القصيدة في ديوانها ص ٧٦ في ٦ أبيات.
(٥) الملاءة: الريطة، استعارتها للفخر، يلبسها أبوها مرة وأخوها أخرى.
(٦) الغلواء: نشاط الشباب وأوله.
(٧) ما بين المعقوفتين من هامش الأصل.
(٨) القصيدة في ديوانها ص ٨٤ - ٨٥ في ١٥ بيتًا. والبيت الثالث في المرقصات ص ٢٨.
(٩) أعزي: أصبر وأسلي. التأسي: التصبر.

<<  <  ج: ص:  >  >>