للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لسانه، ولا غنم فرصة أولاها من إحسانه، هجا حتى نفسه هجوًا مقذعًا، وهاج يتخذ كل عرض مرتعًا، وكان شديد الغيرة على بنات كنّ له وكان بهن قريحًا، يتوهم من كل ما تخيله وإن لم يكن صحيحًا، ويتلوّم من كل ما نازله وإن لم ير قبيحًا. واشترى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب منه أعراض الناس بمال بذله له من بيت المال، وحبسه حتى تاب وما أقلع عن سيئات الأعمال. وكان لإفراط غيرته يطوف الأحياء، ويطول لسانه على من جاوره ولا يعرف الحياء، ثم أوصى عند موته بتلك الوصية التي جاهر فيها بمخالفة الإسلام، ومخالسة الحق باختتال الكلام، ثم أمر بأن يركب حمارًا ويقاد به حتى مات وهو راكبه على تلك الميتة القبيحة، ومال فما استوطن بعد كاهله إلا ضريحه.

ومن شعره المختار قوله (١) وتصرف في الوصف والتشبيه [من الطويل]:

وأرض تَرَى فَرْخ الحبارى كأنّهُ … بِهَا رَاكِبٌ موفٍ على ظَهْر قَرْدَدِ (٢)

وأدماء حرجوح تعاللتُ مَوْهِنًا … بسوطي فأرمدت ببيداء فَلْفَدِ (٣)

تُلاعِب أثناء الزمام وتتقي … عُلالَةَ مَلْوِيٌّ مِنَ القِدْ مُحصَدِ (٤)

تَرَى بَينَ لَحْيَيْها إذا ما تَزَغْمَتْ … لُغامًا كبيَتِ العَنكَبوتِ المُمَدَّدِ (٥)


= والإسلام. كان هجاء عنيفًا، لم يكد يسلم من لسانه أحد. وهجا أمه وأباه ونفسه. وأكثر من هجاء الزبرقان بن بدر، فشكاه إلى عمر بن الخطاب، فسجنه عمر بالمدينة، فاستعطفه بأبيات، فأخرجه ونهاه عن هجاء الناس، فقال: إذا تموت عيالي جوعًا! .. له «ديوان شعر» ط دار صادر - بيروت ١٤٠١ هـ/ ١٩٨١ م ومنه أفدنا. ومما كتب عنه «الحطيئة - ط» رسالة لجميل سلطان.
مصادر ترجمته:
المسعودي، طبعة باريس، ٣: ٩٩ و ١٠٣ ونهاية الأرب للقلقشندي ١٧٨ والتيجان ١٧٧ والمقتطف ٤٠: ٤٦٥. وفي مجلة الزهراء ٥: ٤٦٠ - ٤٧٤ بحث في «جرهم مكة» من القرن ٢٦ قبل الهجرة إلى سنة ٤٢٩ ق هـ. الموسوعة الموجزة ٥/ ٣٨ الأعلام ٢/ ١١٨. معجم الشعراء للجبوري ١/ ٣٩٨.
(١) القصيدة في ديوانه ص ٤٥ - ٥٢ في ٤٤ بيتًا. انظر: المرقصات ص ٢٧.
(٢) يقول: من شدة استوائها ترى الصغير (كفرخ الحبارى) بها كبيرًا. والموفي: المشرف. القردد: ما غلظ أو ما ارتفع ونشز من الأرض.
(٣) الفدفد: الفلاة التي لا شيء بها.
(٤) أثناء الزمام: جمع ثني وهو ما أثنى منه. الملوي: السوط. المحصد: الشديد، والمقصود بملاعبة الزمام تحريك رأسها به يمينًا ويسارًا كأنها جذلة إلا أنها تخشى السوط.
(٥) التزغم: صوت ضعيف، وقيل تزغمت غضبت؛ ومن رواه تبغمت فمعناه قطعت الحنين ولم تمده؛ اللغام: زبد الإبل، يريد أنها لا ترغو ولا تضج من ضجر.

<<  <  ج: ص:  >  >>