وفي الخبازية: أخذ الأوزاعي ومن تابعه بحديث أبجر، فقالوا: يباح لحمه، والعامة قالوا بحرمة لحمه ورجحوا المحرم على المبيح، وقد ثبت طهارة السؤر مع حرمة اللحم لأجل البلوى كما ذكرنا.
ثم قال: فإن قيل لما تعارضت الأدلة في لحمه وقد ترجح المحرم ينبغي أن يكون سؤره نجسًا للاحتياط أيضًا كما هو رواية عن أبي حنيفة؛ لأن حرمة الشيء مع كونه صالحًا للغذاء دليل نجاسته.
قلنا: الأصل في التعارض الجمع إلا أن لا يمكن، ولم يمكن في اللحم للتضاد، وفي السؤر يمكن بأن يكون واجب الاستعمال عملا بدليل الطهارة، ووجب ضم التيمم عملا بدليل النجاسة.
فإن قيل: المرجح هنا المحرّم، قلنا: المسح هنا مؤيد بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ [الحج: ٧٨]، ولأن المحرّم لا يرجح عند تعارض الحاجة والضرورة كما في الهرة، ألا ترى أن البعرة لو وقعت في المحلب عند الحلب فأخرجت من ساعته يتنجس.
فإن قيل: لا يصير الماء مشكوكًا بتعارض الخبرين كما في مسألة خبر العدلين أحدهما بطهارة الماء، والآخر بنجاسته.
قلنا: لا تعارض ثمة لأنه أمكن ترجيح أحدهما، فإن المخبر عن طهارته لو استقصى في ذلك وقال: أخذته من النهر وسددت فم الإناء ولم يخالطه شيء أصلا رجحنا خبره لتأيده بالأصل، وإن بني خبره على الاستصحاب رجحنا خبر النجاسة لأنه أخبر عن محسوس مشاهد.
فأما في سؤر الحمار فالتعارض قائم فإن لحمه نجس، وعرقه طاهر، والبلوى فيه من وجه دون وجه فلا يمكن إلحاقه بأحدهما، فوجب المصير إلى ما كان ثابتا فلا يطهر به نجس، ولا يتنجس به طاهر.
فإن قيل: غرف الماء طاهرًا يوجب أن يبقى كذلك؛ لأن اليقين لا يزول بالشك.