للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وقيل: سبب الإشكال اختلاف الصحابة، فإنه روي عن ابن عمر أنه كان يكره التوضؤ بسؤر البغل والحمار، وعن ابن عباس أنه قال: الحمار يعتلف القت والتبن فسؤره طاهر.

قال شيخ الإسلام: وهذا لا يقوى أيضًا؛ لأن الاختلاف في طهارة الماء ونجاسته لا يوجب الإشكال، كما في إناء أخبر عدل أنه طاهر، وآخر أنه نجس فالماء لا يصير مشكلًا، وقد استوى الخبران، وبقي العبرة للأصل فكذا هاهنا.

ولكن الأصح في التمسك أن دليل الشك هو التردد في الضرورة فإن الحمار يربط في الدور والأفنية فيشرب من الأواني، وللضرورة أثر في إسقاط النجاسة كما في الهرة والفأرة، إلا أن الضرورة فيه دون الضرورة فيهما لدخولهما مضايق البيت بخلاف الحمار، ولو لم تكن الضرورة ثابتة أصلًا كما في الكلب والسباع لوجب الحكم بالنجاسة بلا إشكال.

ولو كانت الضرورة مثل الضرورة فيهما لوجب الحكم بإسقاط النجاسة، فلما ثبتت الضرورة من وجه دون وجه، واستوى ما يوجب الطهارة والنجاسة تساقطا للتعارض فوجب المصير إلى الأصل، والأصل هاهنا شيئان: الطهارة في جانب الماء، والنجاسة في جانب اللعاب؛ لأن لعابه نجس كما بينا، وليس أحدهما بأولى من الآخر يبقى الأمر مشكلًا نجسًا من وجه، طاهرًا من وجه، فكان الإشكال عند علمائنا بهذا الطريق لا لإشكاك في لحمه، ولا لاختلاف الصحابة في سؤره، وبهذا التقرير يندفع كثير من الأسئلة.

وقيل: وجه الإشكال أن عرقه طاهر ولبنه حرام، فلو ألحقنا لعابه بعرقه يكون طاهرًا، ولو ألحقناه بلبنه يكون نجسًا، منها أن المبيح والمحرم إذا اجتمعا فغلب المحرم احتياطًا فإن القول بالاحتياط إنما يكون في ترجيح الحرمة في غير هذا الموضع، أما هاهنا الاحتياط في إثبات الشك لأنا لو رجحنا الحرمة للاحتياط يلزم ترك العمل به؛ لأنه حينئذ لا يجوز استعمال سؤر الحمار مع احتمال كونه مطهرًا باعتبار الشك فكان متيممًا عند وجود الماء في أحد الوجهين، وذلك حرام فلا يكون عملًا بالاحتياط، ولا بالمباح.

<<  <  ج: ص:  >  >>