للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كَانَ يُصْغِي لَهَا الإِنَاءَ فَتَشْرَبُ مِنْهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ بِهِ». وَلَهُمَا: قَوْلُهُ : «الهِرَّةُ سَبْعٌ» وَالمُرَادُ بَيَانُ الحُكْمِ دُونَ الخِلْقَةِ وَالصُّورَةِ (*)،

واحتجوا بالحديث المذكور في الكتاب، وبما روي عن عائشة أنها كانت تصلي وفي بيتها قصعة من هريسة فجاءت هرة وأكلت منها، فلما فرغت من صلاتها دعت جاراتها فكُنَّ يَتَحَامَين من موضع فمها، فمدت يدها وأخذت من موضع فمها وأكلت وقالت: سمعت رسول الله يقول: «الهِرَّةُ ليسَتْ بنجِسَةٍ فإنها مِنَ الطَّوافِينَ»، فما بالكم لا تأكلن (١).

وقوله: (ليست بنجسة): يكون في موضع النفي فيقتضي أن لا تكون نجسة بوجه، وفي الكراهة شيء منها خصوصا إذا كانت للتحريم، ولأنها نوع بهيمة يجوز اقتناؤها على الإطلاق فلا يكره التوضؤ بسؤرها قياسًا على الإبل.

ولنا حديث عمر قال: يغسل الإناء من ولوغ الهرة مرةً، وفيه إشارة إلى الكراهة، والحديث المذكور في المتن، وقد حكم عبد الله بن مسلمة من أصحاب مالك في الدجاج والإوز تأكل العذرة فتشرب من الإناء أنه مشكوك فيجمع بينه وبين التيمم كما في سؤر الحمار.

قال القاضي الإمام ظهير الدين: السبع مأخوذ من السبع وهو القهر وسمي يوم القيامة يوم السبع لأنه يوم يقع فيه القهر على أعداء الله تعالى، والهرة على هذا سبع لقهرها الحشرات.

وقوله: (المراد بيان الحكم)، بيان لوجه التمسك، يعني أنه بعث لبيان الشرائع لا لبيان الحقائق فيكون المراد به بيان الحكم.

ثم الحكم إما بنجاسة السؤر، أو كراهية السؤر، أو حرمة اللحم، ولا يجوز أن يلحق به في جميع الأحكام؛ لأن القول بنجاسة سؤره مع الكراهة غير ممكن، أو في حرمة اللحم لما أنها ثابتة بنهي النبي عن أكل ذي ناب من


(*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.
(١) أخرجه أبو داود (١/٢٠، رقم ٧٦)، والدارقطني (١/ ١١٧، رقم ٢١٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٢٤٦، رقم ١٢١٠).
قال الدارقطني: ورواه عنه هشام بن عروة ووقفه على عائشة.

<<  <  ج: ص:  >  >>