للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

إلَى نَتَنِ وَفَسَادٍ فَصَارَ كَبَوْلِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ.

وَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ عَرَفَ شِفَاءَهُمْ فِيهِ وَحْيَا، ثُمَّ عِنْدَ أَبِي

وروى البخاري ومسلم عن ابن عباس: أنه مر بقبرين فقال: «إنهما لا يُعذِّبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول - وفي رواية: لا يستنزه من البول - وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» (١).

فأما حديث العرنيين رواه أنس، فقد ذكر قتادة عن أنس أنه رخص لهم في شرب الألبان، ولم يذكر الأبوال، فإذا دار بين أن يكون حجة، وبين أن لا يكون سقط.

ثم نقول: خصهم النبي بطريق الوحي أن شفاءهم فيه، ولا يوجد مثله في زماننا، أو أنه كان ذلك في ابتداء الإسلام ثم نسخ كما نسخت المثلة.

وقيل: حدثهم قبل أن تنزل الحدود ثم نسخ، وفي بعض الروايات: «إنما فعل النبي بهم ذلك لأنهم مثلوا بدعاته فجزاهم بمثل فعلهم».

ثم وجه مناسبة عذاب القبر مع استنزاه البول هو أن القبر أول منزل من منازل الآخرة، والطهارة أول منزل من منازل الصلاة، والاستنزاه أول منزل من منازلها، والصلاة أول ما يحاسب به المرء يوم القيامة، وكانت الطهارة أول ما يعذب بتركها في أول منزل من منازل الآخرة.

(إلى نتن وفساد): قيد بهما احترازًا عما لا نتن فيه؛ فإن ما يحيله الطبع على نوعين: نوع يحيله إلى الفساد، وهو نجس كالدم والغائط، ونوع لا يحيله إليه كالبيضة وهو ليس بنجس، هذا هو القياس الصحيح، كذا ذكره في الأسرار (٢).

وذكر المحبوبي في جواب محمد أن كون اللحم طاهرًا لا يدل على طهارة البول؛ فإن لحم الآدمي طاهر، وحرمته لكرامته، وبوله نجس.


(١) أخرجه البخاري (١/ ٥٣، رقم ٢١٦)، ومسلم (١/ ٢٤٠، رقم ٢٩٢).
(٢) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (١/٢٨)، والبناية شرح الهداية للعيني (١/ ٤٣٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>