للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

كلّهم إلى القبر الشّريف مستغفرين تائبين، واستمرّت هكذا أكثر من شهر.

قال الذّهبي: أمر هذه النّار متواتر، وهي ممّا أخبر به المصطفى ، حيث قال: «لا تقوم السّاعة حتّى تخرج نار من أرض الحجاز، تضيء لها أعناق الإبل ببصرى» وقد حكى غير واحد ممّن كان ببصرى في اللّيل ورأى أعناق الإبل في ضوئها.

وفي سنة خمس وخمسين وستّمائة مات المعزّ أيبك سلطان مصر، قتلته زوجته «شجرة الدّرّ»، وسلطنوا بعده ولده الملك المنصور عليّ، هذا والتّتار جائلون في البلاد، وشرّهم متزايد، ونارهم تستعر، والخليفة والنّاس في غفلة عمّا يراد بهم، والوزير العلقمي حريص على إزالة الدّولة العبّاسيّة ونقلها إلى العلويّة، والرّسل في السّرّ بينه وبين التّتار، والمستعصم تائه في لذّاته، لا يطّلع على الأمور، ولا له غرض في المصلحة.

وكان أبوه المستنصر قد استكثر من الجند جدّا، وكان مع ذلك يصانع التّتار ويهادنهم ويرضيهم؛ فلما استخلف المستعصم كان خليّا من الرّأي والتّدبير، فأشار عليه الوزير بقطع أكثر الجند، وأن مصانعة التّتار وإكرامهم يحصل به المقصود، ففعل ذلك.

ثم إن الوزير كاتب التتار، وأطمعهم في البلاد، وسهّل عليهم ذلك، وطلب أن يكون نائبهم، فوعدوه بذلك، وتأهّبوا لقصد بغداد.

شرح حال التّتار ملخّصا

قال الموفّق عبد اللّطيف في خبر التّتار: هو حديث يأكل الأحاديث، وخبر يطوي الأخبار، وتاريخ ينسي التّواريخ، ونازلة تصغّر كلّ نازلة، وفادحة تطبّق الأرض، وتملؤها ما بين الطّول والعرض، وهذه الأمّة لغتهم مشوبة بلغة الهند؛ لأنّهم في جوارهم، وبينهم وبين مكّة أربعة أشهر، وهم بالنّسبة إلى التّرك عراض الوجوه، واسعو الصدور، خفاف الأعجاز، صغار الأطراف، سمر الألوان، سريعو الحركة

<<  <   >  >>