في الجسم والرّأي، تصل إليهم أخبار الأمم، ولا تصل أخبارهم إلى الأمم، وقلّما يقدر جاسوس أن يتمكّن منهم؛ لأنّ الغريب لا يتشبّه بهم، وإذا أرادوا جهة كتموا أمرهم، ونهضوا دفعة واحدة، فلا يعلم بهم أهل بلد حتّى يدخلوه، ولا عسكر حتّى يخالطوه، فلهذا تفسد على النّاس وجوه الحيل، وتضيق طرق الهرب، ونساؤهم يقاتلن كرجالهم، والغالب على سلاحهم النّشّاب، وأكلهم أيّ لحم وجد، وليس في قتلهم استثناء ولا إبقاء، يقتلون الرّجال والنّساء والأطفال، وكان قصدهم إفناء النّوع، وإبادة العالم، لا قصد الملك والمال.
وقال غيره: أرض التّتار بأطراف بلاد الصين، وهم سكّان براري، ومشهورون بالشّرّ والغدر.
وسبب ظهورهم أنّ إقليم الصّين متّسع، دوره ستّة أشهر، وهو ستّ ممالك، ولهم ملك حاكم على الممالك السّتّ، هو القان الأكبر المقيم بطمغاج، وهو كالخليفة للمسلمين.
وكان سلطان إحدى الممالك السّتّ - وهو «دوش خان» - قد تزوّج بعمة جنكز خان، فحضر زائرا لعمّته، وقد مات زوجها؛ وكان قد حضر جنكز خان كشلوخان، فأعلمتهما أن الملك لم يخلّف ولدا، وأشارت على ابن أخيها أن يقوم مقامه، فقام، وانضمّ إليه خلق من المغول؛ ثم سيّر التّقادم إلى القان الأكبر، فاستشاط غيظا، وأمر بقطع أذناب الخيل التي أهديت، وطردها، وقتل الرّسل؛ لكون التّتار لم يتقدّم لهم سابقة بتملّك، إنّما هم بادية الصّين؛ فلمّا سمع جنكز خان وصاحبه كشلو خان تحالفا على التّعاضد، وأظهرا الخلاف للقان، وأتتهما أمم كثيرة من التّتار، وعلم القان قوّتهم وشرّهم فأرسل يؤانسهم ويظهر مع ذلك أنّه ينذرهم ويهدّدهم، فلم يغن ذلك شيئا؛ ثم قصدهم وقصدوه، فوقع بينهم ملحمة عظيمة، فكسروا القان الأعظم، وملكوا بلاده، واستفحل شرّهم، واستمرّ الملك بين جنكز خان وكشلو خان على المشاركة.
ثم سارا إلى بلاساغون من نواحي الصّين فملكاها، فمات كشلو خان، فقام مقامه ولده، فاستضعفه جنكز خان، فوثب عليه وظفر به، واستقلّ جنكز خان، ودانت له