التّتار، وانقادت له، واعتقدوا فيه الإلهيّة، وبالغوا في طاعته.
ثم كان أوّل خروجهم في سنة ستّ وستّمائة من بلادهم إلى نواحي التّرك وفرغانة، فأرسل خوارزم شاه محمد بن تكش صاحب خراسان الذي أباد الملوك وأخذ الممالك، وعزم على قصد الخليفة، فلم يتهيّأ له كما تقدّم، فأمر أهل فرغانة والشّاش وكاسان وتلك البلاد النّزهة العامرة بالجلاء والجفلى إلى سمرقند وغيرها، ثم خرّبها جميعا خوفا من التّتار أن يملكوها؛ لعلمه انّه لا طاقة له بهم.
ثم صارت التّتار يتخطّفون ويتنقّلون إلى سنة خمس عشرة، فأرسل فيها جنكز خان إلى السّلطان خوارزم شاه رسلا وهدايا، وقال الرّسول: إنّ القان الأعظم يسلّم عليك ويقول لك: ليس يخفى عليّ عظم شأنك، وما بلغت من سلطانك ونفوذ حكمك على الأقاليم، وأنا أرى مسالمتك من جملة الواجبات، وأنت عندي مثل أعزّ أولادي، وغير خاف عنك أنّني تملّكت الصين، وأنت أخبر النّاس ببلادي، وأنّها مثارات العساكر والخيول، ومعادن الذهب والفضّة، وفيها كفاية عن غيرها، فإن رايت أن تعقد بيننا المودّة، وتأمر التّجّار بالسّفر لتعلّم المصلحتين فعلت، فأجابه خوارزم شاه إلى ملتمسه، وبشّر جنكز خان بذلك، واستمرّ الحال على المهادنة إلى أن وصل من بلاده تجّار.
وكان خال خوارزم شاه ينوب على بلاد ما وراء النّهر، ومعه عشرون ألف فارس، فشرهت نفسه إلى أموال التّجّار، وكاتب السّلطان يقول: إنّ هؤلاء القوم قد جاءوا بزيّ التّجّار، وما قصدهم إلاّ التّجسّس، فإن أذنت لي فيهم؛ فأذن له بالاحتياط عليهم، فقبض عليهم وأخذ أموالهم، فوردت رسل جنكز خان إلى خوارزم شاه تقول: إنّك أعطيت أمانك التّجّار فغدرت، والغدر قبيح، وهو من سلطان الإسلام أقبح؛ فإن زعمت أنّ الذي فعله خالك بغير أمرك فسلّمه إلينا، وإلاّ سوف تشاهد منّي ما تعرفني به؛ فحصل عند خوارزم شاه من الرّعب ما خامر عقله، فتجلّد، وأمر بقتل الرّسل، فقتلوا.
فيا لها من حركة كم أهدرت من دماء المسلمين وأجرت بكلّ نقطة سيلا من الدّم.
ثم سار جنكز خان إليه، فانجفل خوارزم شاه عن جيحون إلى نيسابور؛ ثم ساق