ومروءة تامّة، وإحسان، وتفضّل فيهم، كما قال ابن الدّغنّة (١): إنّك لتصل الرّحم، وتصدق الحديث، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الدّهر، وتقرى الضّيف.
قال النّووي (٢): وكان من رؤساء قريش في الجاهليّة، وأهل مشاورتهم، ومحبّبا فيهم، ومألفا لهم، فلما جاء الإسلام آثره على ما سواه، ودخل فيه أكمل دخول.
وأخرج الزّبير بن بكّار وابن عساكر (٣) عن معروف بن خرّبوذ قال: إنّ أبا بكر الصّدّيق ﵁، أحد عشرة من قريش اتّصل لهم شرف الجاهلية بشرف الإسلام، فكان إليه أمر الدّيات والغرم، وذلك أنّ قريشا لم يكن لهم ملك ترجع الأمور كلّها إليه، بل كان في كلّ قبيلة ولاية عامة تكون لرئيسها؛ فكانت في بني هاشم السّقاية، والرّفادة. ومعنى ذلك أنّه لا يأكل أحد ولا يشرب إلاّ من طعامهم وشرابهم. وكانت في بني عبد الدّار: الحجابة، واللّواء، والنّدوة - أي: لا يدخل البيت أحد إلاّ بإذنهم، وإذا عقدت قريش راية حرب عقدها لهم بنو عبد الدّار، وإذا اجتمعوا لأمر إبراما أو نقضا لا يكون اجتماعهم لذلك إلاّ بدار النّدوة، ولا ينفذ إلاّ بها، وكانت لبني عبد الدار.
فصل كان أبو بكر ﵁ أعفّ النّاس في الجاهليّة
أخرج ابن عساكر بسند صحيح عن عائشة ﵂ قالت: واللّه ما قال أبو بكر شعرا قطّ في جاهليّة ولا إسلام (٤)، ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهليّة.
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٣٧٣. واسمه في السيرة ٢/ ٤٥٣: ربيعة بن رفيع بن أهبان، والدّغنّة أمّه. (٢) تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ١٨٣/ ١. (٣) مختصر تاريخ دمشق ١٣/ ١٠٦. (٤) بلى، ورد عن الشعبي قوله: كان أبو بكر شاعرا، وكان عمر شاعرا، وكان عليّ أشعر الثلاثة. وسيأتي هذا القول في ترجمة الإمام علي من هذا الكتاب، وانظر قول الشعبي في مختصر تاريخ دمشق ١٨/ ٧٧ وإيضاح الوقف والابتداء لابن الأنباري ١/ ١٠٥ ومنتخب من كتاب الشعراء لأبي نعيم ٤٨، وله ديوان شعر لا يصحّ معظمه طبع في دمشق.