ولم يبق أحد إلاّ تعجّب، ولم تجر العادة بذلك، إنّما كان يدفع العهد إلى الولاة بحضرة أمير المؤمنين، فإذا أخذه قال أمير المؤمنين: هذا عهدي إليك فاعمل به.
وفي سنة ثمان وستّين أمر الطّائع بأن تضرب الدّبادب على باب عضد الدّولة في وقت الصّبح والمغرب والعشاء، وأن يخطب له على منابر الحضرة.
قال ابن الجوزي (١): وهذان أمران لم يكونا من قبله، ولا أطلقا لولاة العهود، وقد كان معزّ الدّولة أحب أن تضرب له الدّبادب بمدينة السّلام، فسأل المطيع في ذلك، فلم يأذن له؛ وما حظي عضد الدّولة بذلك إلاّ لضعف أمر الخلافة.
وفي سنة تسع وستّين ورد رسول العزيز صاحب مصر إلى بغداد [بكتاب، فأجابه عضد الدّولة بما مضمونه صدق الطّويّة وحسن النيّة (٢)].
وسأل عضد الدّولة أن يزيد في ألقابه «تاج الملّة»، ويجدّد الخلع عليه ويلبسه التّاج؛ فأجابه.
وجلس الطّائع على السّرير وحوله مائة بالسّيوف والزّينة، وبين يديه مصحف عثمان، وعلى كتفه البردة، وبيده القضيب، وهو متقلّد بسيف رسول اللّه ﷺ، وضربت ستارة بعثها عضد الدّولة، وسأل أن تكون حجابا للطّائع حتى لا تقع عليه عين أحد من الجند قبله؛ ودخل الأتراك والدّيلم، وليس مع أحد منهم حديد، ووقف الأشراف، وأصحاب المراتب من الجانبين، ثم أذن لعضد الدّولة فدخل، ثم رفعت السّتارة وقبّل عضد الدّولة الأرض، فارتاع زياد القائد لذلك، وقال لعضد الدّولة [بالفارسيّة]: ما هذا أيّها الملك؟ أهذا هو اللّه؟ فالتفت إليه وقال: هذا خليفة اللّه في الأرض؛ ثم استمرّ يمشي ويقبّل الأرض سبع مرّات، فالتفت الطّائع إلى خالص الخادم، وقال: استدنه؛ فصعد عضد الدّولة، فقبّل الأرض مرّتين، فقال له: ادن إليّ؛ فدنا، وقبّل رجله، وثنى الطّائع يمينه عليه وأمره، فجلس على الكرسيّ بعد أن كرّر عليه: اجلس؛ وهو يستعفي، فقال له: أقسمت عليك لتجلسنّ؛ فقبّل الكرسيّ وجلس، فقال له الطّائع: قد رأيت أن أفوّض إليك ما وكل اللّه إليّ من أمور الرّعيّة في
(١) المنتظم ١٤/ ٢٦٠. (٢) من تاريخ الإسلام ٢٦/ ٢٧٣.