والعامّة، وحنوّا على الملّة والذّمّة، عن علم بأنّه المقدّم في بيته وشرفه، المبرّز في عفافه، الزكيّ في دينه وأمانته، الموصوف في ورعه ونزاهته، المشار إليه بالعلم والحجى، المجمع عليه في الحلم والنّهى، البعيد من الأدناس، اللاّبس من التّقى أجمل اللّباس، النّقيّ الجيب، المحبوّ بصفاء الغيب، العالم بمصالح الدّنيا، العارف بما يفسد سلامة العقبى؛ أمره بتقوى اللّه فإنّها الجنّة الواقية، وليجعل كتاب اللّه - في كلّ ما يعمل فيه رويّته، ويرتّب عليه حكمه وقضيّته - إمامه الذي يفزع إليه، وأن يتّخذ سنّة رسول اللّه ﷺ منارا يقصده، ومثالا يتّبعه، وأن يراعي الإجماع، وأن يقتدي بالأئمّة الرّاشدين، وأن يعمل اجتهاده فيما لا يوجد فيه كتاب ولا سنّة ولا إجماع، وأن يحضر مجلسه من يستظهر بعلمه ورأيه، وأن يسوّي بين الخصمين إذا تقدّما إليه في لحظه ولفظه، ويوفي كلاّ منهما من إنصافه وعدله، حتّى يأمن الضّعيف حيفه، وييأس القويّ من ميله؛ وأمره أن يشرف على أعوانه وأصحابه، ومن يعتمد عليه من أمنائه وأسبابه، إشرافا يمنع من التّخطّي إلى السّيرة المحظورة، ويدفع عن الإسفاف إلى المكاسب المحجورة.
وذكر من هذا الجنس كلاما طويلا.
قلت: كان الخلفاء يولّون القاضي المقيم ببلدهم القضاء بجميع الأقاليم والبلاد التي تحت ملكهم، ثم يستنيب القاضي من تحت أمره من شاء في كلّ إقليم وفي كلّ بلد؛ ولهذا كان يلقّب قاضي القضاة، ولا يلقّب به إلاّ من هو بهذه الصّفة؛ ومن عداه بالقاضي فقط أو قاضي بلد كذا؛ وأمّا الآن فصار في البلد الواحد أربعة مشتركون، كلّ منهم يلقّب قاضي القضاة، ولعل آحاد نوّاب أولئك كان في حكمه أضعاف ما كان في حكم الواحد من قضاة القضاة الآن، ولقد كان قاضي القضاة إذ ذاك أوسع حكما من سلاطين هذا الزّمان.
وفي هذه السنة - أعني سنة ثلاث وستّين - حصل للمطيع فالج، وثقل لسانه، فدعاه حاجب عزّ الدّولة الحاجب سبكتكين إلى خلع نفسه، وتسليم الأمر إلى ولده الطّائع للّه، ففعل، وعقد له الأمر في يوم الأربعاء ثالث عشري ذي القعدة، فكانت مدّة خلافة المطيع تسعا وعشرين سنة وأشهرا، وأثبت خلعه على القاضي ابن أمّ شيبان، وصار بعد خلعه يسمّى الشّيخ الفاضل.