للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

عزّة الحبّ أرته ذلّتي … في هواه، وله وجه حسن

فلهذا صرت مملوكا له … ولهذا شاع ما بي وعلن

وأخرج ابن عساكر عن ابن عليّة قال (١): أخذ هارون الرّشيد زنديقا، فأمر بضرب عنقه، فقال له الزّنديق: لم تضرب عنقي؟ قال له: أريح العباد منك؛ قال: فأين أنت من ألف حديث وضعتها على رسول اللّه كلّها ما فيها حرف نطق به؟ قال:

فأين أنت يا عدوّ اللّه من أبي إسحاق الفزاري وعبد اللّه بن المبارك ينخلانها فيخرجانها حرفا حرفا؟.

وأخرج الصّولي عن إسحاق الهاشميّ قال: كنّا عند الرّشيد، فقال: بلغني أنّ العامّة يظنّون فيّ بغض عليّ بن أبي طالب، ووالله ما أحبّ أحدا حبّي له، ولكن هؤلاء أشدّ النّاس بغضا لنا وطعنا علينا وسعيا في فساد ملكنا بعد أخذنا بثأرهم ومساهمتنا إيّاهم ما حويناه، حتّى إنّهم لأميل إلى بني أميّة منهم إلينا، فأما ولده لصلبه فهم سادة الأهل، والسّابقون إلى الفضل؛ ولقد حدّثني أبي المهدي عن أبيه المنصور عن محمد بن عليّ عن أبيه عن ابن عبّاس، أنّه سمع النّبيّ يقول في الحسن والحسين:

«من أحبّهما فقد أحبّني، ومن أبغضهما فقد أبغضني» وسمعه يقول: «فاطمة سيّدة نساء العالمين، غير مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم».

روي (٢) أنّ ابن السّمّاك دخل على الرّشيد يوما، فاستسقى، فأتي بكوز، فلمّا أخذه قال: على رسلك يا أمير المؤمنين، لو منعت هذه الشّربة بكم كنت تشتريها؟ قال: بنصف ملكي؛ قال: اشرب هنّأك اللّه تعالى؛ فلمّا شربها قال: أسألك لو منعت خروجها من بدنك بماذا كنت تشتري خروجها؟ قال: بجميع ملكي؛ قال: إنّ ملكا قيمته شربة ماء وبولة لجدير أن لا ينافس فيه؛ فبكى هارون بكاء شديدا.

وقال ابن الجوزي: قال الرّشيد لشيبان: عظني، قال: لأن تصحب من يخوّفك حتّى يدركك الأمن خير لك من أن تصحب من يؤمّنك حتّى يدركك الخوف؛ فقال الرّشيد: فسّر لي هذا؛ قال: من يقول لك: أنت مسئول عن الرّعيّة، فاتّق اللّه،


(١) مختصر تاريخ دمشق ٤/ ١١٥ وسير أعلام النبلاء ٨/ ٥٤٢.
(٢) تاريخ الطبري ٨/ ٣٥٧ وكامل ابن الأثير ٦/ ٢١٩ وتاريخ الإسلام ١٣/ ١٦.

<<  <   >  >>