وقال غيره (١): لمّا احتضر عبد الملك دخل عليه ابنه الوليد، فتمثل بهذا:[من الكامل]
كم عائد رجلا وليس يعوده … إلاّ ليعلم هل يراه يموت
فبكى الوليد، فقال له: ما هذا؟ أتخنّ خنين الأمة؟ إذا [أنا] متّ، فشمّر، وائتزر، والبس جلد النّمر، وضع سيفك على عاتقك، فمن أبدى ذات نفسه فاضرب عنقه، ومن سكت مات بدائه.
قلت: لو لم يكن من مساوئ عبد الملك إلاّ الحجّاج وتوليته إيّاه على المسلمين وعلى الصّحابة والتّابعين، يهينهم ويذلّهم قتلا وضربا وشتما وحبسا، وقد قتل من الصّحابة وأكابر التّابعين ما لا يحصى فضلا عن غيرهم، وختم في عنق أنس وغيره من الصّحابة ختما، يريد بذلك ذلّهم؛ فلا ﵀ ولا عفا عنه.
ومن شعر عبد الملك قوله (٢): [من الطويل]
لعمري لقد عمّرت في الدّهر برهة … ودانت لي الدّنيا بوقع البواتر
فأضحى الذي قد كان ممّا يسرّني … كلمح مضى في المزمنات الغوابر
فيا ليتني لم أغن في الملك ساعة … ولم أله في لذّات عيش نواضر
وكنت كذي طمرين عاش ببلغة … من الدّهر حتّى زار ضنك المقابر
وفي «تاريخ» ابن عساكر (٣)، عن إبراهيم بن عدي قال: رأيت عبد الملك بن مروان وقد أتته أمور أربعة في ليلة فما تنكّر ولا تغيّر وجهه: قتل عبيد اللّه بن زياد بالعراق، وقتل حبيش بن دلجة بالحجاز، وانتقاض ما كان بينه وبين ملك الرّوم، وخروج عمرو بن سعيد إلى دمشق.
وفيه عن الأصمعي قال: أربعة لم يلحنوا في جدّ ولا هزل: الشّعبيّ، وعبد الملك بن مروان، والحجّاج بن يوسف، وابن القرّيّة.
(١) تاريخ الإسلام ٦/ ١٤٣. (٢) تاريخ الإسلام ٦/ ١٤٢ وتاريخ دمشق ٤٣/ ٢٧٦. (٣) مختصر تاريخ دمشق ٤/ ٨٤.